بين توقتاميش وإيدكو من جدال وقتال إلى أن تغير أمر كل منهما وحال
ولما انفصل تيمور بما حصل واستقر بمملكته بعدما وصل واتصل إيدكو بحاشيته وابتهج بطاغيته وغاشيته، أخذ في التفتيش عن أمور توقتاميش، وتحفظ منه وتحرز ولمناواته انتصب وتجهز، إذ لم يمكنه رتق ما فتقه ولا رقع ما خرقه، وأيضًا ما أمكنه الاستقلال بادعاء السلطنة، إذ لو أمكن ذلك لادعاه تيمور الذي ملك الممالك، فنصب من جهته سلطانا، وشيد في دار الملك خانا، ودعا رؤوس الميسرة ووجوه قبائلها إليه، فلبوا دعوته وأقبلوا عليه، إذ كانوا أقوى من غيرهم، آمنين من ضرر الجغتاي وضيرهم، فقوى بذلك سلطانه، وعمر بقفول الجنود خانه، وثبت في دار الملك أساسه وعلت أركانه وأما توقتاميش فبعد أن تراجع وهله واستقر
[ ١٢٥ ]
في دماغه عقله، ورحل عدوه وحصل هدوه جمع عساكره واستنجد قوته وناصره، فلا زالت ضروب الضراب كحراب الحروب بينه وبين إيدكو قائمة وعيون السكون كجفون الزمان المتعامي عن صلحهما نائمة إلى أن بلغ مصافهم خمس عشرة مرة، يدال هذا على ذاك تارة وذاك على هذا كرة، فأخذ أمر قبائل الدشت في التناقص والشتات، وبواسطة قلة المعاقل والحصون وقعوا في الانبثاث والانبتات، لا سيما وقد تناوشهما أسدان، وأطل عليهما نكدان، وقد كان جلهم ذهب مع تيمور، وأمسى وهو في أمره محصور، وفي حصره مأسور فانفلتت منهم طائفة لا تحصى ولا تحصر، ولا يمكن ضبطها بديوان ولا دفتر، وانحازت إلى الروم والروس، وذلك لحظهم المشؤوم وجدهم المعكوس، فصاروا بين مشركين نصارى، ومسلمين أسارى، كما فعله جبلة ببني غسان واسم هذه الطائفة قرابوغدان فبواسطة هذه الأسباب، آل عامر الدشت إلى الخلاء والخراب، والتفرق واليباب، والانفلات والانقلاب، وصارت بحيث لو سلكها أحد من غير دليل ورصد فإنه يهلك على الحقيقة لإضاعته في المجاز طريقه،
[ ١٢٦ ]
أما صيفًا فلأن الرياح للرمال تسفى، فتختفى الطريق على المارة وتعفى، وأما شتاء فلأن الثلج النازل فيها يتراكم عليها فيغطيها، إذ كل أرضها مجاهل ومنازلها مذاهل، ومراحلها مهامه ومناهل، فعلى كل تقدير، سلوكها مهلك عسير فكانت الوقعة الخامسة عشرة على إيدكو فتشتت وتشرد، وتبذر وتبدد، وغرق هو ونحو خمسمائة رجل من أخصائه في بحر الرمل، فلم يشعر به أحد واستبد توقتاميش بالمملكة، وصفا له دشت بركه، وكان مع هذا متشوفًا لأخبار إيدكو وأحواله متشوقًا لمعرفة كيفية هلاكه في رماله، ومر على ذلك نحو من نصف سنة، وانقطع أثره عن الأعين وخبره عن الألسنة وإيدكو كان دعيميص تلك الأعقاص والأحقاف وممن قطع بسير أقدامه أديم تلك النعال والأخفاف، فصار يتربص ويتصبر ويتفكر معنى ما قلته ويتدبر، وهو
أرقب القصد وانتظر فرصًا وانتهز وقتها إذا ماجا
وامزج الصبر بالحجا فبه ورق التوت صار ديباجا
فلما تيقن أن توقتاميش أيسه، وتحقق أن ليث المنايا افترسه،
[ ١٢٧ ]
شرع يتجسس أخباره ويتتبع، ويستشرف آثاره ويتطلع، إلى أن تحقق من الخبر، أنه في متنزه منفرد عن العسكر، فامتطى جناح الخيل، وارتدى جنوح الليل، ووصل السير بالسرى، واستبدل السهر بالكرى، فارعا إلى الهضاب، فروع الحباب، مفرعا من الربى، إفراع الندى حتى وصل وهو لا يعلم، وانقض عليه كالقضاء المبرم، فلم يفق إلا والبلايا احتوشته، وأسود المنايا انتوشته، وثعابين الرماح وأفاعي السهام نهشته، فحاولهم قليلا، وجاولهم طويلا، ثم انجدل قتيلا، وكانت هذه المرة من الوقعات السادسة عشر، خاتمة التلاق، وحاكمة الفراق فاستقر أمر الدشت على متولي إيدكو، وصار القاصي والداني والكبير والصغير إلى مراسيمه يصفو، وتفرقت أولاد توقتاميش في الآفاق، جلال الدين وكريم بيردي في الروس وكوباك وباقي إخوته في سغناق، واستمر أمر الناس على مراسيم إيدكو يولي السلطنة من شاء، ويعزله منها إذا أساء، ويأمر فلا يخالفه أحد، ويحد فلا يجاوز ذلك الحد فمن ولاه قوتليغ تيمور خان، وأخوه شادي بك خان، ثم فولاد خان بن قوتليغ تيمور
[ ١٢٨ ]
ثم أخوه تيمور خان، وفي أيامه تخبطت الأمور، فلم يسلم لإيدكو زمامه، وقال لا كيد له ولا كرامة، أنا الكبش المطاع، فأنى أكون مطيعًا، والثور المتبوع فكيف أصير تبيعا فالتحم بينهما الشقاق، ونجم من ذوي الضغينة مخبوء النفاق، وجرت شرور ومحن، وحروب وإحن، وبينا ظلمات الفتن احتبكت، ونجوم الشرور في دياجير الدشت بين الفريقين اشتبكت، وإذا ببدر الدولة الجلالية، من مشارق السلالة التوقتاميشية بزغ متهللا، وفرع من بلاد الروس مقبلا وكانت هذه القضية في شهور سنة أربع عشرة وثمانمائة، فتعاظمت الأمور، وتفاقمت الشرور، وضعف حال إيدكو وقتل تيمور، واستمر النفاق والشقاق، بين ممالك ملوك قبجاق، إلى أن مات إيدكو غريقًا جريحًا، وأخرجوه من نهر سيحون بسرايجوق وألقوه طريحًا، رحمه الله تعالى وله حكايات عجيبة، وأخبار ونوادر غريبة، وسهام دواه في أعدائه مصيبة، وأفكار مكايد، وواقعات مصايد، وله في أصول فقه السياسة نقود وردود، البحث فيها يخرج عن محصول المقصود وكان أسمر شديد السمرة ربعه، مستمسك
[ ١٢٩ ]
البدن شجاعًا مهابا ذا رفعة، جوادًا حسن الابتسامة، ذا رأي مصيب وشهامه، محبًا للعلماء والفضلاء، مقربًا للصلحاء والفقراء يداعبهم بألطف عبارة، وأظرف إشارة، وكان صوامًا، وبالليل قواما، متعلقًا بأذيال الشريعة، قد جعل الكتاب والسنة وأقوال العلماء بينه وين الله تعالى ذريعة، له نحو من عشرين ولدا كل منهم ملك مطاع، وله ولايات على حدة وجنود وأتباع، وكان في جماعات الدشت إمامًا، نحوًا من عشرين عامًا، وأيامه في جبين الدهر غرة، وليالي دولته على وجه العصر طرة