لما ارتحل من الشام بجنوده الغزيرة، كان مع واحد منهم أسيرة، كشفت أيدي النوائب قناع عصمتها ولطمتها، وعلى يدها بنت لها
[ ٧٩ ]
رضيع ففطمتها، فلما قربوا من حماة، جعلت البنت تئن أنين الأواه، ولما بها من المضض المنكى تنكد وتبكي ومعهم جمال من بغداد، منطو على الفساد، محتو على النكاد، مجبول على الغلاظة والقساوة، معمول من الفظاظة والغباوة، ممتلئ من البذا متضلع من الأذى، لم يخلق الله تعالى في قلبه من الرحمة شيئًا فينتزع، ولم يودع لسانه لفظًا من الخير فيستمع، فأخذ تلك البنت من أمها، فدار في وهما أنه إنما أخذها ليخفف عنها من همها، وكانت راكبة على جمل ثم انقطع ساعة عن الثقل ثم وصل ويده خالية وقهقهته عالية، فاستكشفت أمها حالها، فقال مالي ومالها فهوى عقلها ووهى، فطرحت نفسها ونحت نحوها، فأخذتها وانقلبت وأتت بها وركبت، فتناولها منها مرة أخرى، على أن لا يسومها ضرًا، ثم غاب عنها ورجع وقد صنع كما صنع، فألقت نفسها ثانية، وعدت إليها ثانية وجاءت وهي عانية، وقطوف حياتها دانية، فركبت وأخذتها، وضعتها على كبدها التي منها فلذتها، فأخذها منها مرة ثالثة، بنية في الفساد عابثة، وحلف لها يمينًا حانثة أنه بحملها ينوء، ولا يمسها
[ ٨٠ ]
بسوء، فحملها ساعة ثم خرج عن سنة الجماعة، ورمى بها في بعض البطاح وفعل بها ما فعله اليهودي بصاحبه الأوضاح وجاء ويده الدامغة، في الإثم ملأى ومن البنت فارغة، وقد سلبها سلبها، وجلب إلى أمها جلبها، فاطرحت نفسها باكية، ورامت الرجعى جارية، فقال لها لا تتعبي، كفيتك همها فارجعي واركبي، فبكت وصاحت، وأنت وناحت، ووقعت في العناء وإن كانت قد استراحت، والناس على دين ملوكهم، سالكون طرائق سلوكهم