والأجداد وكيفية دخوله إلى هذه البلاد
وهو السلطان مغيث الدين أحمد بن الشيخ أويس بن الشيخ حسن بن حسين ابن آقبغا بن أيلكان صاحب بغداد وأذربيجان، وما أضيف
[ ٩٣ ]
إلى ذلك من ولايات وممالك، وأيلكان جده الأعلى ابن القان الكبير النجيد شرف الدين سبط القان أرغون ابن أبي سعيد وكان والده الشيخ أويس من أهل الديانة والكيس، ملكًا عادلًا، وإمامًا شجاعًا فاضلًا، مؤيدًا منصورًا صارمًا مشكورا، قليل الشر كثير البر، صورته كسيرته حسنة، وكانت دولته تسع عشرة سنة، وكان محبًا للفقراء، معتقدًا للعلماء والكبراء وكان قد أخبر في منامه بوقت موافاة حمامه، فاستعد لحلول فوته، ورصد نزول موته، وخلع من الملك يده، وولاه حسينًا ولده، وهو أكبر بنيه، والأفضل من أهله وذويه، ونبذ أدانيه ودنياه، وأقبل على طاعة مولاه، واستعطفه إلى الرضا، والعفو عما مضى، ولازم صلاته وصيامه، وزكاته وقيامه، ولا زال يصلي ويصوم، حتى أدركه ذلك الوقت المعلوم، فأظهر سره المصون، وتلا " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " فدرج على هذه الطريقة الحسنة، وقد جاوز نيفًا ثلاثين سنة، ومن مغرب تبريز أفل قمره، وفي سنة
[ ٩٤ ]
ست وسبعين وسبعمائة وصل إلى الشام خبره واستقر ولد جلال الدين حسين مكانه، وأفاض على رعيته فضله وإحسانه، وكان كريم الشمائل، جسيم الفضائل، وافر الشهامة، ظاهر الكرامة، أراد أن يمشي على سنن والده، ويحيي ما دثر من رسوم آثاره ومعاهده، فخذلته الأقدار، وخالطت صفو مساعيه الأكدار وفي سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة وصل من قصاده إلى الشام فئة، وهم القاضي زين الدين علي بن جلال الدين عبد الله بن نجم الدين سليمان العبايقي الشافعي، قاضي بغداد وتبريز، والصاحب شرف الدين بن الحاج عز الدين الحسين الواسطي وزير السلطان وغيرهما ثم في جمادى الآخرة من هذه السنة وثب السلطان أحمد على أخيه المشار إليه فقتله، وقام لينصر الملك والدين مكانه فخذله فملأ جفن حياته من الفناء سنة، وعمره إذ ذاك نيف وعشرون سنة ولما استولى السلطان على ممالك العراق، مد يد تعديه وضم جناح الشفقة والإرفاق، وشرع يظلم نفسه ورعيته، ويذهب في الجور والفساد يومه وليلته، ثم بالغ في الفسق والفجور، فتجاهر
[ ٩٥ ]
بالمعاصي وتظاهر بالشرور، واتخذ سفك الدماء إلى سلب الأموال وثلم الأعراض سلما فقبل إن أهل بغداد مجوه، واستغاثوا بتيمور، فأغيثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، فلم يشعر إلا والتتار قد دهمته، وعساكر الجغتاي خيلًا ورجلًا حطمته، وذلك يوم السبت المذكور، من الشهر المشهور، فاقتحموا بخيلهم دجلة وقصدوا الأسوار، ولم يمنعهم ذلك البحر البتار، ورماهم أهل البلد بالسهام وعلم أحمد أنه لا ينجيه إلا الانهزام، فخرج فيمن يثق به قاصد الشام، فتبعه من الجغتاي قوم لئام، فجعل يكر عليهم ويردعهم، ويفر منهم فيطمعهم، وحصل بينهم قتال شديد، وقتل من الطائفتين عدد عديد، حتى وصل إلى الحلة، فعبر من جسرها نهر دجلة، " ثم قطع الجسر ونجا من ورطة الأسر، واستمرت التتار في عقبه تكاد أنوفها تدخل في ذنبه فوصلوا إلى الجسر ووجدوه مقطوعًا، فتزاموا في الماء وخرجوا من الجانب الآخر ولم يزالوا تابعًا ومتبوعًا ففاتهم ووصل إلى مشهد الإمام وبينه وبين بغداد ثلاثة أيام "