العجم وخوض شاه منصور غمار ذلك البحر الخضم
ولما توفي شاه شجاع ووقع بين أهله كما مر النزاع، واستقر أمر العراق العجمي على شاه منصور وخلصت ممالك مازندران وولاياتها لتيمور، وكان شاه شجاع قد أوصى إلى تيمور بولد زين العابدين كما ذكر ووكل أمره إليه، وجد تيمور على شاه منصور طريقًا بما فعله مع ابن عمه زين العابدين فاحتج بذلك ومشى عليه، فاستمد شاه منصور أقاربه فكلهم صار محاربه وغدا مجاذبه ومجانبه وأقام كل منهم يحفظ جانبه، فتهيأ لملاقاته وحده، بنحو ألفي فارس كاملي العدة، بعد أن حصن المدينة وحوطها بالأهبة المكينة، ورتب خيلها ورجلها وحرض على التصبر والتربص أهلها، فقال له أكابر أعيانها
[ ٥٤ ]
والرؤس من سكانها كأنا بك في المقتحم وسدى الحرب قد التحم، وقد منعناه من الوصول إلينا ودافعناه عن الهجوم علينا، وربما جندنا له رجالا وأبطلنا من عسكره أبطالا، ثم ماذا تصنع أنت بألفي راكب مع هذا الغمام المتراكم المتراكب؟ وربما يحل عقدك أو يفل جندك فلا ترى لنفسك في الهيجاء إلا طلب الخلاص والنجاء وتتركنا لحمًا على وضم بعد أن زلت بنا معهم القدم ولا ينفعنا بعد تأكيد العداوة الندم، ولا يجبر منا إذ ذاك هذا الكسر إلا بالقتل أو النهب والأسر فوضع يده على دبوسه شاه منصور وقال هذا الألف في الكاف السادسة من أم من يفر من تيمور، أما أنا فأقاتل وجندي، فإن خذلني جندي قاتلت وحدي، وبذلت في ذلك جدي وجهدي، وعاينت عليه وكدي وكدي، فإن نصرت نلت قصدي وإن قتلت فلا علي ممن بقي بعدي، وكأني أنا كنت الحاضر والخاطر في خاطر الشاعر حين قال
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ونكب عن ذكر العواقب جانبًا
وقيل إن شاه منصور فرق رجاله على قلاعه، وأراد بذلك حفظ مدنه
[ ٥٥ ]
فضاع في ضياعه، ثم جمع رؤساء شيراز وأجنادها وأفلاذ أكبادها وأولادها وقال إن هذا عدو ثقيل وهو وإن كان خارجيًا فهو في بلادنا دخيل، فالرأي أني لا أنحصر معه في مكان ولا أقابله بضراب وطعان بل أتنقل في الجوانب وأتسلط أنا ورعاياي عليه من كل جانب فنصفع أكتافه ونقطع أطرافه ونواظبه بالنهار ونراقبه بالليل ونعد له ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل فكلما وجدنا منه غرة كسرنا منه القفا والغرة فتارة ننطحه وأخرى نرمحه وكرة نجرحه ومرة نجدحه ونسلبه الهجوع ونمنعه الرجوع فتشتد عليه المضايق وتنسد عليه الطرق والطرائق غير أن القصد منكم يا أحرار ويا نمور النفار ونسور النقار أن تحتفظوا بضبط الأسوار ولا تغفلوا عنها آناء الليل وأطراف النهار، فإني ما دمت بعيدًا عنكم لا يدنو أحد منهم منكم، وإن حاصروكم ففيكم كفاية وأستودعكم الله وهو نعم الوقاية، وغاية ما تكونون في هذه البؤسى مقدار ما واعد الله نبيه موسى ولله هذا الرأي ما كان أمتنه ووجه هذا القصد ما كان أحسنه ثم إنه خرج ذاهبًا، وقصد جانبًا
[ ٥٦ ]