استخلاص بلاد الهنود
ثم إن تيمور بلغه أن سلطان الهند فيروز شاه، انتقل من زحمة الدنيا
[ ١٣٩ ]
إلى رحمة الله، ولم يكن له ولد يكون له خليفة فسعى تيمور لأن يتولى بحكم الوفاة والشغور تلك الوظيفة، ولما فاض صاحب الهند صارت الناس فوضى، ومرج بحر أمر الهند وماج فجعل كل يخوض خوضًا فعز بعض الناس وبعضهم ذلوا، ثم اتفقوا على تولية وزير اسمه ملو، فرأب من أمر الناس ما انصدع، ورفع من استحق الرفع وخفض من بغير استحقاق ارتفع، فعصى عليه إخوة سارنك خان، متولي مدينة ملتان، ووقع بينهم التخالف، وافترق ملأ الهنود فرقًا وطوائف، فكان اختلافهم لتيمور أحسن مساعد، وأقوى عضد وساعد قلت
وتشتت الأعداء في آرائهم سبب لجمع خواطر الأحباب
وحين وصل تيمور إلى ملتان، عصى عليه سارنك خان، فأقام يحاصرها، وقعد يضاجرها، وكانت عساكرها جمة، وليالي كتائبها السود مدلهمة حتى قيل إن من جملة عسكرها الثقيل، كان ثمانمائة فيل، مع أن كل أمير من أطراف الهند، ورئيس من أكناف السند، كان قد كفكف أذياله، ولملم رحاله ورجاله، وضبط لجوائحه أقياله،
[ ١٤٠ ]
وربط لحوائجه أفياله، واستمر ذلك اللدد والخصام، نحوًا من ثلثي عام، إلى أن استخلصها ومن يده خلصها " فصل " ولما استولى ملو واستقر أمر الهند عليه، وبلغه توجه تيمور إليه، جد واجتهد وأعد العدد والعدد، واستمد الإمداد والمدد، وأهلك مالًا لبدا، وحسب أن لن يقدر عليه أحد، وفرق الأموال، وجمع الخيل والرجال، وأحضر ما في مملكته من الأفيال، ثم حصن مدائنه، ومكن كمائنه، وشيد على الأفيال للمقاتلة أبراجًا، وأحكم في تحرير المناضلة طريقة فقه فيها ذهب ومنهاجا وجد تيمور في السير، حتى كاد يسبق الطير، إذ لم يكن له في ثلاث الأرث من يحجبه، ولا في عساكر سلطان الهند من يقربه فلما بلغ الهنود بالجنود برزت إليه بالجنود الهنود، وقدموا الفيول لتنفير الخيول وقد بنوا على كل فيل من الأتراس برجا، وعبئوا في كل برج من المقاتلين ن يخشى في المضابق ويرجى، بعد ما جعلوها من البركستوانات في حصار، وعلقوا عليها من القلاقل والأجراس الهائلة ما يدعو العفاريت
[ ١٤١ ]
إلى الفرار، وشدوا في خراطيمها سيوفًا يصلح أن يقال أنها سيوف الهند، تدعو الرؤوس شعلة لهيبها فتخر لها ساجدة فيحق أن يقال لها نار السند وهذا خارج عما لتلك الفيلة من الأنياب التي هي في الحروب كالحراب إذ هي في أداء ما وجب عليها نصاب كامل وسهامها التي هي مصيبة في نحور من يقابلها تقصم كل نابل وذابل فكانت تلك الأفيال في وصف القتال كأنها غيل بأسودها ماشية أو صياص بجنودها جارية أو أطواد بنمورها عادية أو بحار بأفواج أمواجها رائحة جائية، أو ظلل من الغمام بصواعقها هامية، أو ليالي الفراق بنوائبها السود سارية، وخلفها من الهنود فوارس الحرب، وأبطال الطعن والضرب، سود الأسود، وطلس الذئاب ونمر الفهود بالذابل الخطى، والصارم الهندي والنبل الخلنجي، مع قلب ذكي وجنان جري، وعزم قوي، وضرب رضي