وهم في حلب وتيمور في عين تاب
ثم إن النواب والأمراء، ورؤوس الأجناد والكبراء، تشاوروا كيف يكافحونه، وفي أي ميدان يناطحونه، فقال بعضهم عندي الرأي الأسد، أن نحصن البلد، ونكون على أسوارها بالرصد، نحرس بروج
[ ١٧٧ ]
أفلاكها، حراسة السماء بأملاكها، فإن رأينا حواليها من شياطين العدو أحدًا، أرسلنا عليهم من رجوم السهام ونجوم المكاحل شهابًا رصدًا
وقال آخر هذا عين الحصر، وعلامة العجز والكسر، بل نحلق حواليها، ونمنع العدو أن يصل إليها، ويكون ذلك أفسح للمجال، وأشرح للجدال ثم ذكر كل من أولئك، ما عن له في ذلك، وخلطوا غث القول بسمينه، وساقوا هيجان الرأي مع هجينه فقال الملك المؤيد، شيخ الخاصكي وكان ذا رأي مسدد، وهو إذ ذاك نائب طرابلس يا معشر الأصحاب، وأسود الحراب، وفوارس الضراب، اعلموا أن أمركم خطر، وعدوكم داعر عسر، داهية دهياء، ومعضلة عضلاء، جنده ثقيل، وفكره وبيل، ومصابه عريض طويل، فخذوا حذركم، وأعملوا في دفعه بحسن الحيلة فكركم، فإن صائب الأفكار، يفعل ما لا يفعله الصارم البتار، ومشاورة الأذكياء، مقدحة الفكر، ومباحثة العلماء، مقدمة النظر إن هذا لبحر ما يحمله بر، وجيشه عددًا كالقطر والذر، وهو وإن كان كالوابل الصبيب، لكنه أعمى لأنه في بلادنا غريب، فعندي الرأي الصائب، أن نحصن
[ ١٧٨ ]
المدينة من كل جانب، ونكون خارجها مجتمعين في جانب واحد، وكلنا له مراقب مراصد ثم نحفر حولنا خنادق، ونجعل أسوارها البيارق والبوارق، ونطير إلى الآفاق أجنحة البطائق، إلى الأعراب والأكراد، والتراكمة وعشران البلاد فيتسلطون عليه من الجوانب، ويثب عليه كل راجل وراكب، ويصير ما بين قاتل وناهب، وخاطف وسالب، فإن أقام وأنى له ذلك ففي شر مقام، وإن تقدم إلينا صافحناه بسواعد الأسنة وأكف الدرق وأنامل السهام وإن رجع وهو المرام، رجع بخيبه، وأقيمت لنا عند سلطاننا الحزمة والهيبة، وإن كان لسلطانه علينا عرج، فلنا بحمد الله سلطان وفي سلطاننا فرج، وأقل الأشياء أن نماده ونتحرز من جنده " فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده " وهذا الرأي الأسد، بعينه كان رأي شاه منصور الأسد فقال تمرداش وهو نائب المدينة ما هذه الآراء مكينة، ولا هذه الأفكار رصينة، بل المناضلة خير من المطاولة، والمناجزة في هذه المواطن قبل المحاجزة، ومقام المنازلة لا تجدي فيه المغازلة، ولكل مقام مقال، ولكل مجال جدال، وهذا طير
[ ١٧٩ ]
في قفص، وصيد مقتنص، فاغتنموا فيه الفرص، وناوشوه بالحرب، وسابقوه بالطعن والضرب، لئلا يتوهم منا الخور، ويستنشق من ركود ريحنا عرف الظفر، فأجمعوا أمركم وأعجلوا، ولا تنازعوا فتفشلوا، وانهضوا وثابروا، واصبروا وصابروا، فأنتم بحمد الله أهل النجدة، وأولوا البأس والشدة، وكل منكم في فقه المناضلة مغن ومختار، وعلمه في إفاضة دماء الأعداء منار، وله في ذلك كفاية وهداية، ونهاية غيره له بداية، وهو لمجمع الإسلام كنز واف وجامع كاف ووقاية تنحو ألسنة سيوفكم إلى تكليم الرؤوس فهي في لفظها كافية شافية، وتصرف أسنتكم أسنانها في مضاعفة كل ذي فعل معتل فهي في تصريف عللها شافية كافية فإن كسرناه فزنا بالمنال " وكفى الله المؤمنين القتال "، وتلك من الله معونة، وقد كفينا عساكر المصريين المؤنة، وكان ذلك أعلى لحرمتنا، وأقوى في ورود النصر لشوكتنا، وأذكى لريح نصرنا وأزكى، وأبكى لعينه السخينة وأنكى وإن كانت والعياذ بالله الأخرى، فلا علينا إذ بذلنا مجهودا وأقمنا عذرا، ومخدومنا يدرك ثارنا، ويحيي آثارنا فتوكلوا على الله العزيز الجبار،
[ ١٨٠ ]
واستعدوا لملاقاة هؤلاء الأشرار، وإذا لقيتموهم زحفًا فلا تولوهم الأدبار ولا زال تمرداش، يحسن لهم هذا الرأي اللاش، حتى أجمعوا عليه، واتفقوا على الخروج إليه، لأنه كان صاحب البلد، وعلى كلامه المعول والمعتمد وكان تمرداش قد خالف الجمهور، ووافق في الباطن تيمور، وهذه كانت عادته، وعلى المراوغة جبلت طينته، فإنه كان كالشاة العابرة، والمرأة الحائرة الغائرة، إذا التقى عسكران فلا يكاد يثبت في أحدهما جبنًا منه ومكرا بل يعبر إلى هذا مرة وإلى هذا أخرى، مع أنه كان صورة بلا معنى، ولفظًا بلا فحوى فاعتمد تيمور عليه، وفوض الأمور إليه، وكذلك عساكر الشام، وجنود الإسلام، ثم حصنوا المدينة وأوصدوا أبوابها، وضيقوا شوارعها ورحابها، ووكلوا بكل حارة ومحلة أصحابها، وفتحوا الأبواب التي تقابل ملتقاه، وهي باب النصر وباب الفرج وباب القناة