مع ذلك الجاني
وكان في بعض ولايات مازندران، رجل يسمى أبا بكر من قرية تدعى شاسبان، وكان في الحروب كالأسد الغضوب وكان قد أباد وأبار الجم الغفير من عساكر التتار، إذا انتمى في المجال لا تثبت له الرجال وإن وضع العمامة، أقام فيهم القيامة، ولا زال يكمن بين الروابي والجبال، ويجندل الجنود والأبطال، حتى صارت تضرب به الأمثال وترعد منه الفرائص ولو في طيف
[ ٥١ ]
الخيال، فكان القائل منهم يقول لمركوبه إذا علق عليه أو سقاه فتأخر عن الماء أو جفل من المخلاة كأن أبا بكر الشاسباني في الماء أو بين العليق تراه وقيل لم يتضرر عسكر تيمور في مدة استيلائه، مع كثرة حروبه ومصافاته وإبلائه، إلا من ثلاثة أنفار، أضروا به وبعساكره غاية الإضرار، وأوردوا كثيرا ًمنهم موارد النار أحدهم أبو بكر الشاسباني، ثانيهم سيدي علي الكردي، وثالثهم " أمت " التركماني " فأما أبو بكر هذا فذكروا أنه في بعض مضايق مازندران، تغلبت عليه الجغتاي من كل مكان " وسدوا عليه وجه المخلص وشدوا حبل المقنص فألجأوه إلى جرف مقاله جرف، مقدار ثمانية أذرع ما بين الحرف إلى الحرف، كأن قعره جب النقير، أو واد في قعر السعير فنزل أبو بكر عن جواده المضمر وطفر وطمر من أحد الجرفين إلى الآخر بما عليه من السلاح والمغفر، ولم ينل منهم ضرًا ونجا كما نجا تأبط شرًا ثم اتصل بحاشيته وأبادهم، ونقل إلى طاحون الفناء منهم من استكمل دياسهم وحصادهم، ثم ما أدري أمره إلى ماذا آل، وكيف تقلبت به الأحوال وأما سيدي علي الكردي
[ ٥٢ ]
فإنه كان أميرًا في بلاد الكرد، ومعه طائفة من الخيل الجرد، والرجال غير المرد، في جبال عاصيه، وأماكن وعرة متقاصية، فكان يخرج هو وجماعته، ومن شملته طاعته، ويترك على فم المضائق من هو به واثق ثم يشن على عساكر تيمور الغارات، ويدرك فيهم للمسلمين الثارات، ويقتطع من حواشيهم وما يمكنه من مواشيهم، ثم يرجع إلى أوكاره بما قضى من أوطاره ولم يزل على ذلك الثبات في حياة تيمور وبعد أن مات إلى أن أدركته الوفاة ففات وأما أمت التركماني فإنه كان من تراكمة قراباغ وله ابنان قد وضع كل منهما على لقب تيمور أي داغ، وكانت الحروب والنزال بينهم وبين أميران شاه وعساكر الجغتاي لاتزال، وأفنوا من جماعتهم عددًا لا يحصى، وجانبًا فات لا يستقصى إلى أن غدر واحد من المنتسبين إليهم، فطلب غرتهم ودل عسكر أميران شاه عليهم، فبيتوهم ليلا وأراقوا من دمائهم سيلا فاستشهد الثلاثة في سبيل الله ﵏ قلت
وأصعب فتنة تشميت الأعدا وأنكى منه تخذيل الموالى
[ ٥٣ ]
وقيل
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
وقيل
" إذا كان هذا بالأقارب فعلكم فماذا الذي أبقيتم للأباعد "