وكيف أحلهم دار البوار
وكان في سمرقند طائفة من الدعار كثيرون وهم أنواع، فمنهم مصارعون ومنافقون وملاكمون ومعالجون، وهم فيها بينهم فرقتان كالقيس واليمن والعداوة والمقاتلة بينهم قائمة على مر الزمن، ولكل طائفة منها رؤس وظهور وأعضا وضروس وكان تيمور مع أبهته يخافهم لما كان يظهر له عنادهم وخلافهم فكان إذا قصد جانبا أقام له في سمرقند نائبا فإذا بعد عن المدينة خرج من تلك الجماعة طائفة فخلعوا النائب أو خرجوا مع النائب وأظهروا المخالفة فما يرجع تيمور إلا وقد انفرط نظامه
[ ٢٦ ]
وتخبطت أموره وتشوش مقامه فيحتاج إلى تجديد تمهيد وتخريب وتشييد فيقتل ويعزل ويعطي ويجزل ثم يتوجه لتمهيد ممالكه وتوطيد مسالكه فيعودون إلى عكرهم ويثوبون إلى خلتهم ومكرهم، وتكررت هذه القضية نحوًا من تسع مرار فضاق تيمور ذرعًا بالأشرار والدعار فأعمل الحيلة في اغتيالهم، وكف أذاهم واستئصالهم، فصنع سورا ودعا إليه الخلائق كبيرا وصغيرا وصنف الناس أصنافًا، وجعل كل ذي عمل إلى عامله مضافا وميز أولئك الدعار مع رؤسائهم على حدة، وفعل معهم ما فعله أنوشروان بن كيقباد بالملاحدة، وأرصد له في أحد الأطراف أنصارا وقرر معهم أن كل من أرسله إليهم يولونه دمارا، ويكون إرساله إليهم على قتله شعارا، ثم إنه جعل يدعو رؤس الناس ويسقيهم بيده الكاس ويخلع عليهم أفخر اللباس، وإذا أفضت النوبة من أولئك الدعار إلى أحد سقاه كأسه وخلع عليه وأشار أن يتوجه به إلى نحو الرصد، فإذا وصل إليهم خلعوا عنه خلعته بل وثوب الحياة فهتكوه وسكبوا عسجد قالبه في بوتقة الفناء فسبكوه
[ ٢٧ ]
إلى أن أتى على آخرهم واستوفى بذلك قطع دابرهم، ومحا آثارهم، وأطفأ نارهم، فصفت له المشارع وخلا ملكه من مجاذب ومنازع ولم يبق له فيما وراء النهر ممانع ولا مدافع