وخلاصه من تلك الورطة
فقال يومًا لأصحابه، وقد أضر به الدهر وأضرى به، وأخصب منهم ربع الفساد وأعشب أن بالقرب منا مدينة نخشب مدينة أبي تراب النخشبي رحمة الله عليه، مدينة مصونة، مسورة مكنونة لئن ظفرنا بها لتكونن لنا ظهرًا وملاذًا وملجأ ومعاذا، وإن حاكمها موسى لو حصلناه وأخذنا ماله وقتلناه، لتقوينا بما له من خيول وعدة، ولحصل لنا الفرج بعد الشدة، وأنا أعلم لها من ممر الماء دربًا هين الوصول واسعًا رحبًا فشمروا ذيلهم وتركوا في مكان خيلهم واستعملوا في نيل مرادهم ليلهم ودخلوا حبس
[ ١٦ ]
المدينة وقصدوا بيت الأمير، ورفعوا أيديهم فصادفوا يدهم والحصير وكان الأمير في البستان خارج البلد، فأخذوا ما وجدوا له من أسلحة وعدد وركبوا خيله، وقتلوا من وجدوا من الأكابر غيلة، فاجتمع عليهم أهل البلد وأرسلوا إلى الأمير فأدركهم بالمدد، فتراكم عليهم البلاء باطنًا وظاهرًا فلم يجدوا لهم سوى الاستسلام ناصرا فقال له أصحابه لقد ألقينا بأنفسنا إلى حقيقة الهلاك من هذا المجاز فقال لا عليكم ففي مثل هذه المواطن يمتحن الرجل ويراز، فأجمعوا كيدكم ثم إئتوا صفًا واندفعوا نحو باب المدينة يدًا واحدة زحفًا، حاطمين على العدو، من غير توان ولا هدو، فإني أظن أنه لا يثبت لكم شيء، ولا يقف أمامكم حي، فامتثلوا أمره ورفعوا الصوت، وقصدوا الباب خائضين غمار الموت، وهجموا على العساكر هجوم الليث واندفقوا ولا اندفاق الغيث، ففتح لهم عند فتح الباب، لأمر يريده مسبب الأسباب فلم يلو أمامهم أحد على أحد ولا نفعه ما هو فيه من العدد والعدد ثم انثنوا إلى مكانهم سالمين ولم يزالوا على ذلك عائثين عابثين
[ ١٧ ]
واجتمع عليهم أصحابهم، وانحاز إليهم في الفساد أضرابهم، فصاروا نحو من ثلاثمائة، ولمن يتحيز إليهم من أهل الشر فئة فأرسل السلطان إليهم عسكرًا غير مكترث بهم فكسروه، واستولوا على حصن من الحصون فجعلوه معقلًا لكل ما ادخروه
قلت لا تحقرن شأن العدو وكيده فلربما صرع الأسود الثعلب
وقيل إن البعوضة تدمي مقلة الأسد وقيل ولربما قمرت بالبيدق الشاه