من قصده بلاد الخطا واستخلاص ممالك الترك والجتا، وافتكاره وهو في الغرب مشغول في استصفائه سائر ولايات الشرق والمغول، وكيف عانده القضاء المبرم بنازل ألهب فؤاده وأضرم، فصادمه الزمان وعكس غرضه وهذه كالجملة المعترضة
ثم إن تيمور كان قد استدعى من سمرقند سبطه، محمد سلطان والأمير سيف الدين ورهطه، كما ذكر أولًا وكان محمد سلطان هذا للفضلاء ملاذًا وللعلماء معاذا، مخايل السعادة في غضون جبهته لائحة،
[ ٢٨٥ ]
وبشائر النجابة من أسارير طلعته واضحة
في المهد ينطق عن نجابة جده أثر السعادة لائح البرهان
وسيف الدين هذا هو أحد رفقاء تيمور في مبداه، وأس أركان دولته في منتهاه، وهما اللذان كانا بنيا أشبارة، وأسسا فيها قواعد النهب والغارة، وهي في نحر بلاد المغول والجتا، وأقصى حدود ما ينتهي إليه حكم تيمور ومبدأ بلاد الخطا، ووليا بها أميرًا يدعى أرغون شاه، وأمداه بطوائف من العساكر وفي ثغر المغول أرصداه، كل هذه الأمور، بأوامر تيمور ولما شرعا في ذلك، لم يرض المغول بهذا الفعل الحالك، لأنهم كانوا يعلمون أن ذلك الأفعى إذا جاورهم لابد أنه في الفساد يسعى، فلا يأمنون غائلته، ولا يطيقون مجاورته، فتشوشت خواطرهم، وتكدرت ضمائرهم، فاستوفزوا للفرار، وإخلاء الديار، فزاد الجغتاي فيهم طمعًا، ومد كل من الطائفتين إلى الإضرار يد التطاول ورجل الفساد وسعى، وشرب كاسات التجرم فأكل ما حل بيده وما تزهد في تعففه ورعا،
[ ٢٨٦ ]
وفرح الجغتاي بذلك، ووقعت العداوة بين الجانبين فسد كل على الآخر طرق المسالك، وجعلوا يرسلون إليهم السرايا، ويحلون بما تصل يدهم إليه من متعلقاتهم البلايا، وجعل المغول أيضًا يفعلون مع الجغتاي ذلك، وتربصوا بتيمور لبعده عنهم ريب المنون وتشبثوا بعشويات المهالك، واتصل الخبر بتيمور، فسر بذلك أشد السرور ثم إنهما حصناها بالأهبة الكاملة، والعدة الشاملة، والرجال المقاتلة، منهم طائفة من عساكر الهنود وملتان، وقوم من جند عراق العرب، وأذربيجان، وفرقة من فوارس فارس وخراسان، وشرذمة من أناس تدعى جانى قربان، وأضافوا هؤلاء الكماة، مع تومان من ياساق الجغتاي إلى الأمير أرغون شاه، ووصلا إلى خجند، وقطعا سيحون وقدما سمرقند، ووليا بها أميرًا يدعى خواجه يوسف، فكان في قيد الطاعة والإخلاص يرسف ثم خرجا من سمرقند قاصدين ذلك الغشوم، ثم إنهما ماتا جميعًا سيف الدين في خراسان ومحمد سلطان في بلاد الروم، فوقع تيمور في الأحزان، على حفيده محمد سلطان، ولبس عسكره السواد، وأقاموا شرائط الحداد، لم يكن بهم حاجة
[ ٢٨٧ ]
إلى السواد المعلم، فإنهم كانوا هم السواد الأعظم، ثم جهز عظامه في تابوت، إلى سمرقند مع عظموت وجبروت، ورسم أن يتلقاه أهل المدينة بالنوح والبكاء، ويقيموا عليه شرائط العزاء، وأن لا يبقى أحد من العباد، إلا ويلبس من فرقه إلى قدمه السواد فخرج أهل سمرقند عند موافاته، وقد انغمسوا في السواد لملاقاته، وصار الشريف والوضيع، والدني والرفيع، بالسواد معلما، فكأنما أغشي وجه الكون قطعًا من الليل مظلما، فدفنوه بمدرسته الحصينة المعروفة بإنشائه، داخل المدينة، وذلك في سنة خمس وثمانمائة ولما أهلك الله تعالى جده دفنوه كما سيأتي ذكر ذلك عنده