مع ابن عثمان وعسكره من المغالطة
ولما بلغ تيمور أن ابن عثمان أخذ الطريق الغامرة، نبذه نبذ اليهود كتاب الله وراء ظهورهم وأخذ على الجادة العامرة، فدخل هو وعسكره على ظلال وعيون " وفواكه مما يشتهون " ولسان حالهم الفصيح، ينشد في الآفاق ويصيح
ولست أبالي بعد إدراكي العلا أكان تراثًا ما تناولت أم كسبا
فلم يزالوا في مراح وزروع، ومراع وضروع، بين " سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب " وهواء بالراحة مصبوب، ونعيم بالسلامة مصحوب، في أمن ودعة، وخصب وسعة، آمنًا من الوجل، سائرًا على غير عجل مستيقنًا بالنصر والظفر، مستبشرًا بالملك والوزر، مستتبعًا تدبيره القضاء والقدر، لا تبرد حرارة حميته لتسخين عين عدوه وإحراز المغنم البادر فترة، ولا في إكليل كواكب عساكره المنتظمة نثرة، ولا بين أسود جيشه مكاشرة ولا نفرة، ولا في قراهم الأعادي اللهذميات على موائد طعام
[ ٢٦٨ ]
طعانهم جبن ولا كسرة فلم يفق ابن عثمان من رقاده، إلا وتيمور قد دمر على بلاده، فقامت عليه القيامة، وأكل يديه حسرة وندامة، وزأر وزقا، والتهب حنقا، وكاد أن يموت خنقا، وسلب القرار والهجوع، وعزم في الحال على الرجوع، فتلاطمت من بحر عساكر أمواجه، وتصادمت أثباج أطواده وأبراجه، فرجع عوده على بدئه، وأغرى بوصال السير وحجئه، فنهكهم السير بسرعته، والمكان بقفرته، والزمان بهجيره، والسلطان بزئيره، فلم يدركوه إلا وقد ذاب كل منهم وصبا، وتلا لسان حاله " لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " " فصل " وكان تيمور قد وصل إلى مدينة أنقرة، وخيله ورجله مستريحة موفرة، للقتال منتظرة، وللنزال متشمرة، بل لم يكونوا به مكترثين، ولا به محتفلين وقد سبقوا كصناديد قريش إلى الماء، وتركوا عساكره كمسلمي بدر في جانب الظماء، فهلكوا كربًا وأوما، وذابوا عطشًا بلا ماء، وكأنه إلى ذلك المنزل هو أرشدهم وبلسان حالهم أنشدهم
[ ٢٦٩ ]
يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزل
وأنقرة هذه التي ذكرها الأسود بن يعفر في قصيدته الطنانة وهي
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ماء الفرات يجيء من أطواد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به يومًا يصير إلى بلى ونفاد
فلما تدانت الجيوش من الجيوش، وأضريت الوحوش على الوحوش، وامتلأت منهم الصحارى والقفار، وتقابلت اليسار باليمين واليمين باليسار، اندفعت من عساكر ابن عثمان التتار، واتصلت بعسكر تيمور كما رسم أولًا وأشار، وكانوا هم صلب العسكر، والأوفر من عساكر ابن عثمان والأكثر، حتى قيل إن جماعة التتار، كانوا نحوًا من ثلثي ذلك العسكر الجرار، بل قيل إن ذلك الجمهور، كانوا محوًا من جند تيمور وكان مع ابن عثمان، من أولاده أكبرهم أمير سلمان، فلما رأى ما فعله التتار، علم أن حل بأبيه البوار، فأخذ باقي العسكر، وقهقر عن ميدان المصاف وتأخر، وترك أباه في شدة
[ ٢٧٠ ]
البأسا، وانخزل بمن معه إلى جهة بروسا، فلم يبق مع ابن عثمان إلا المشاة ومن داناهم، وبعض الكماة وقليل ما هم، فثبت للمجالدة بمن معه من الرفاق، وخاف إن فر أن يقع عليه الطلاق، وكأنه في تلك المعركة والمعكرة، كان متمثلًا بما قاله عنترة
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تسفك في دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
فصبر لحادث الدهر وما أزم، وأراد أن يفئ على مذهب الإمام مالك بما به التزم، فأحاطت به أساورة الجنود، إحاطة الأساورة بالزنود، وحين تيقنت الأسرة العثمانية بالكسرة، وعلمت أنها تورطت في جيش العسرة، وثبت المشاة على الكماة، واستعملت الأطبار، وكل صارم بتار، وكانوا في ذلك المصاف، نحوًا من خمسة آلاف، فبددوا أندادهم، وأبادوا أعدادهم، وكان كانوا كسافي الرمال بالكربال، أو كائل البحار بالغربال، أو محرر أوزان الجبال بقراريط المثقال، فأمطروا على قلل أولئك الأطواد، وحقول ذوات تلك الأسود، من غمام القتام
[ ٢٧١ ]
صواعق ديم المدميات وأمطار السهام السود ونادى محرش القدر، وصياد القضاء الكلاب على البقر، فلم يزالوا بين وقيذ وواقذ، ومضروب بحكم سهم ماض في القضاء نافذ، حتى صاروا كالشياهم والقنافذ، واستمرت دروس القتال بين تلك الزمر من الضحى إلى العصر، وانتقلت أحزاب الحديد إلى الفتح فتلت على الروم سورة النصر، ثم لما كلت منهم السواعد، وقل المواصر والمساعد، وتحكم فيهم الأباعد والمباعد، دففوهم بالسيوف والرماح، وملأوا بدمائهم الغدران، وبأشلائهم البطاح، ووقع ابن عثمان في القنص، وصار مقيدًا كالطير في القفص، وكانت هذه المعكرة، على نحو ميل من مدينة أنقرة، يوم الأربعاء سابع عشر ذي الحجة، سنة أربع بعد ثمانمائة حجة، وقد قتل غالب العسكر العطش والضمور، لأنه كان ثامن عشري تموز " قصل " ووصل أمير سلمان، إلى بروسا معقل ابن عثمان، فاحتاط على ما فيها من الخزائن والأموال، والحريم والأولاد ونفائس الأثقال، واشتغل بنقل ذلك إلى بر أدرنة، وراء البحر المحيط بكثير من الأمكنة،
[ ٢٧٢ ]
المنشعب من بحر مصر الآخذ بعد ما يتدريس إلى بلاد الدشت والكرج الفاصل بينه وبين بحر القلزم جبل الجركس