من الخديعة في إجفال الأفيال
وحين اطلع تيمور على هذه الحال وتحقق أن شقة عساكر الهند نسجت
[ ١٤٢ ]
على هذا المنوال أعمل المكيدة، في قلع هذه المصيدة، ومرق لهم بمرقة قدر طبخها أخثر من العصيدة، فبدأ أولًا في الاحتيال، بدفع مكيدة الأفيال، فاستعمل الفكر الحديد، في اصطناع شوكات من حديد، مثلثة الأطراف، مستبعدة الأوصاف، كأنها في شكلها الخبيث، طرق القائلين بالتثليث، أو وضع أصحاب الأوفاق، أعدادهم المنسوبة إلى الوفاق، فصنعوا له من ذلك الألوف ثم عمد إلى مجال الفيول في الصفوف فنشر ذلك لها ليلًا، وجلب لأهلها حربًا وويلا، ورفم لذلك حدا، ورسم أن فعل ذلك الحد لا يعدى، ثم ركب أطلابه وأبطاله، ورتب أسوده وأشباله، وهذب خيله وشذب رجاله، وأرصد شمالًا ويمينا، من عسكره للعدو كمينا، وحين بث سلطان السيارة في جوانب الآفاق خيله، وضم جيش الظلام رجاله أنجمه وشمر للهزيمة ذيله، مشى عسكره إلى ذلك الحد رويدًا حتى وصل إليه، ولما تراءى الجمعان نكص على عقبيه، ثم نكب بالخيول، عن طريق الفيول، فتصوروا أن خيوله جفلت، وشمس نصرته انكشفت، وكواكب جيشه أفلت، فأقلعوا قلاع الفيول، فانهمرت انهمار
[ ١٤٣ ]
السيول، وساقوها خلف عساكره سوقا، على ذلك الشوك الملقى، وأتبع الفيالة، من الهنود الرجالة والخيالة فلما وصلت سيول الفيول من مطارح الشوك إلى المقاسم، وأخذ ذلك الشوك في تقبيل أيديها وأرجلها وتثبت بتلك المناسم وأحست قوائمها بشوكها، رجعت القهقرى بل وولت الأدبار لعدم عقلها ووجود نوكها فنهنهوها ونهوها عن التولي فلم يفدها النهى والنهنهة، وصارت في التقدم إلى جهة العدو كفيل أبرهة ثم لم يسعها لما أحرها الشوك في تلك الحرار، إلا التولي من الزحف والفرار، فحطمت الفيول، الرجال والخيول، وصارت القتلى كالجبال والدماء في أوديتها سيول وخرج عليهم الكمين من ذات الشمال وذات اليمين، فأبادوا سائرهم، وألحقوا بأولهم آخرهم وقيل أن بلاد الهند ليس فيها أباعر، وأن منظرها يجفل الفيل فيصير أبعد نافر، فأمر تيمور أن يهيأ خمسمائة بعير جفول، وتعبأ رواحلها والحمول، قصبًا محشوًا بفتائل وقطن بالدهن مبلول، وأن تساق أمام الركبان، إلى أن يتراءى الجمعان، فلما تصافوا ولم يبق إلا القتال، أمر أن تطلق النار في تلك الحشايا
[ ١٤٤ ]
والأحمال، وتسلق إلى جهة الأفيال، فلما أحست البعران، بحرارة النيران، رغت ورقصت، ونحو الفيول شخصت وصارت كما قيل
كأنك من جمال بني أقيش يقعقع بين رجليه بشن
فلما رأت الفيلة النيران، وسمعت رغاء البعران، ونظرت إلى الإبل كيف خلقت، وشاهدتها وقد غنت ورقصت، وبأجفالها صفقت، أولت على عقبها ناكصة، لسائقها واهصة، ولركابها واقصة فحطمت الخيالة، وهشمت الرجالة، وتلا الكافرون آية النصر على أصحاب الفيل، وأرسلوا عليهم من السهام طيرًا أبابيل، فلم ينتفعوا بالأفيال، بل أفنت الأفيال غالب الخيل والرجال، ثم تراجعت عساكر الهنود، وأبطال الخيالة من الجنود وكتبوا الكتائب وبندوا البنود، ثم تراموا وتصافوا وتضاموا وتحافوا، وهم ما بين مجوسي ومسلم، ومبارز منتسب ومناد بالشعار معلم، وكل في سواد اللون والحديد كقطع الليل المظلم، ثم تدانوا مع التتار وتزاحفوا، وبعد المراشقة بالسهام بالرماح تنافقوا، ثم بالسيوف تضاربوا، قم تلاتبوا وتواثبوا، ثم تراموا
[ ١٤٥ ]
عن ظهور الخيل، واعتكر في ذلك القتام النهار بالليل، ولا زالت تختلف بينهم الضربات وتصول فيهم الحملات، وتحمل منهم الصولات، حتى تلا لسان القضاء والقدر " إن في اختلاف الليل والنهار لآيات " ثم تناهى الاقتحام، وانفرج الازدحام، وأسفرت القضية عن أن برد حامى الهند فانهزم جيش حام، وحل بالهنود الويل، ومحا الله آية الليل ولما تفرقت الهنود وفلوا، وانتهى عقد عملهم في المحاربة فحلوا، وقتلت سرواتهم وهرب سلطانهم ملوا، وثبت تيمور وحكمه في هنده، إلى الآن كما ثبت أوتاده في سمرقنده، فجمع أقيالها، وربط أفيالها، وضبط أحوالها، وما غفل عن ضبط ما عليها وما لها، وسلم أفيالها فيالها
ثم توجه نحو تختها وهي مدينة دهلي، مصر عظيم جمع فنون الفضل وأرباب الفخر الجلي، معقل التجار، ومعدن الجواهر والبهار، فتمنعت عليه بالحصار، فأحاط بذلك السواد الأعظم، من عساكره السواد الأعظم، ومن معه من الخلائق والأمم، فقيل إن هذه العساكر والخلائق مع عظمها وكثرتها، لم يقدروا أن يكتنفوها لسعة دائرتها، وأنه أخذها من أحد
[ ١٤٦ ]
جوانبها بالمحاصرة، وتم الجانب الآخر ثلاث أيام في المحاربة والمكاشرة لم يدر من في الجانب المحاصر، لبعد المدى وكثرة الأمم ما فعل بالجانب الآخر