المصيب ورجعه عنه لسوء طويته شيخ نجيب
ثم إن قرايلوك عزم أن يجدد معه العهد والميثاق، ويقلع غراس الخلاف ويؤسس بنيان الصداقة والوفاق، ويرده إلى مكانه، ويصير كما كان أولًا من أنصاره وأعوانه، ويعلم بذلك السلطان أنه له ناصح، فلا يسمع في كلام واش وكاشح، وإذا بشيخ نجيب الذي كان متولي قلعة توقات، وحاصره السلطان وضيق عليه مسالك الطرقات، ثم قهره وغلبه، وأخذ قلعته، وبالكراهية استصحبه،
[ ١٦٣ ]
وجد فرصة فانتهزها، وكان في قلبه كمائن سخيمة فأبرزها، فجاء إلى قرايلوك، ووقف في خدمته كالمملوك، وقال أعيذ عالم عقلك أن يزل، ودليل فهمك أن يضل، ومصيب رأيك أن يصاب، وجميل فكرك أن يعاب، قد أمكن الله من العدو، وأنى لك مع هذا سكون وهدو؟ قلت
ما الدهر إلا ساعة وتنقضي والمرء فيها حازم أو نادم
فلئن أبقيت عليه لا يبقى عليك، ولئن نظرت إليه بعين الرحمة والله لا ينظر إليك، فإنه رجل غبي، وبأنواع المكر وأصناف الخديعة عبي، عسر القياد وأبيك لا ينجع في الخير وأبي، وهبك والعياذ بالله منه مكانه منك، أكان يرق لك أو يصفح عنك؟ هيهات هذا والله محال، فقد وقع لك والله مجال، فما كل أوان، يسمح بالمراد الزمان، والدهر فرص، وأكثره غصص، فإياك أن تفوت الفرصة، فتقع في غصة وأي غصة، ولا ينفعك الندم إذا زلت بك القدم، وتفكر فيما أقول، واستنبط دليل هذه المسألة من المعقول، واستبق شرفك الرفيع بإراقة دمه، وصن أستار حرمك بابتذال حرمه، وتذكر يا أمير، أمور
[ ١٦٤ ]
قابوس بن وشمكير، ولا زال ذلك الشيطان، يحسن له الرأي في قتل السلطان ويقول هذا الرأي أنفع لك وعليك أعود كما فعل بسطام أمير الكرد بقرا يوسف لما قبض على السلطان أحمد، فرجع قرايلوك عن رأيه لما خدعه ودهاه، فقتل السلطان من غير إهمال ولا توقف ﵀ وكان قتل قرا يوسف السلطان أحمد ابن الشيخ أويس في عاشر شهر رجب سنة ثلاث عشرة وثمانمائة والقصة مشهورة وكان السلطان ﵀ كما ذكر أولًا، عالمًا فاضلًا كريمًا متفضلًا، محققًا في التقرير، مدققًا في التحرير، قريبًا من الناس، مع كونه شديد البأس، رقيق الحاشية أديبًا، شاعرًا ظريفًا لبيبًا أريبًا، جوادًا مقدامًا، قرمًا همامًا، نهاب الدنيا وهابها، يهب الألوف ولن يهابها يحب العلماء ويجالسهم، ويدني الفقراء ويكايسهم، قد جعل يوم الاثنين والخميس والجمعة للعلماء وحفاظ القرآن خاصة، لا يدخل عليه معهم غيرهم من تلك الأمم الغاصة وكان قد أقلع قبل وفاته عن جميع ما كان عليه، وتاب إلى الله تعالى ورجع إليه، وله مصنفات منها الترجيح على التلويح
وكان عنده نديم للفضل حريز، بغدادي الأصل
[ ١٦٥ ]
يدعى عبد العزيز، وكان أعجوبة الزمان، وفي لطائف الشعر والنظم فارسيًا وعربيًا أطروفة الدوران، سرقه من بغداد من السلطان أحمد بن الشيخ أويس، فكان عنده رأس ندمائه وعين أهل الفضل والكيس، والقاضي كان يربي الفضلاء، متطلبًا من كل جهة الأدباء والشعراء، وكان أهل الفضل والأدب، يفدون عليه من كل فج وحتى صار مقامه كعبة الحاج لا كعبة الحج وصورة سرقته له أنه لما سمع بأوصافه أحبه، فأراد قربه، فالتمسه من مخدومه، فلم تسمح نفس السلطان أحمد بمفارقة نديمه، ثم اختشى من القاضي رغبة وخاف لشدة دهيه هربه، فوصى به وحرج عليه، وأقام له معقبات يحفظونه من خلفه ومن بين يديه، فأرسل القاضي إليه رسولًا ذكيًا، فناداه نداء خفيًا، وأجزل له العطية، ووعده مواعيد سنية وفرق ما بين السلطانين من الحسن والقبح، كفرق ما بين البحرين العذب والملح، والمبليين المساء والصبح، فلبى دعوته بالقبول، وواعد للخروج، بعض القفول، ثم خرج ولهيب الحر قد وقد، والسلطان أحمد عن الحريم قد رقد، ووضع ثيابه على ساحل دجلة، ووجه إلى داخل النهر في الطين رجله، ثم غاص في الماء ومخر، وخرج من مكان آخر، ولحق برفقائه، واختفى بينهم اختفاء اليربوع في نافقائه، فطلبه السلطان أحمد، ففتشوا عليه فلم يوجد، فبالغوا في طلابه، إلى أن وقفوا على ثيابه، ورأوا آثار رجليه في الطين، فلم يشكوا أن الموج اختطفه، فكان من المغرقين، فكفوا قدم السعي عن طلبه ولم يضيقوا على أحد بسببه ثم بعد أيام يسيرة، أخرج غريق بغداد رأسه بسيواس عند القاضي برهان الدين من تحت الحصيرة، فغرقه في أبحر نواله، وأسبغ عليه ذيل كرمه وأفضاله، فصار عنده مقدمًا، ولديه مبجلًا معظمًا، ألف له تاريخًا بديعًا، سلك فيه مهيعًا رفيعًا، وانتهج منهجًا منيعًا، ذكر فيه من بدء أمره إلى قرب وفاته، مع مواقفه ووقائعه ومصافاته، وشحه بظريف كناياته، ولطيف استعاراته، وفصيح لغاته، وبليغ كلماته، ورشيق إشاراته، ودقيق عباراته، مد فيه عنان اللسان، وهو موجود في ممالك قرمان، في أربع مجلدات ذكر ذلك لي من غاص بحره، واستخرج دره ووقف على تاريخ العتبى في اليمين، السلطان محمود بن سبكتكين، وأن هذا أحسن من ذلك أسلوبًا، وأغزر يعبوبا، وأعذب شؤبويًا مع أني لم أقف عليهما، ولا وصلت لقصر الباع إليهما ثم إن الشيخ عبد العزيز هذا بعد لهيب هذه النائرة، انتقل إلى القاهرة، ولم يبرح على الإبراح، ومعاقرة راح الأتراح، حتى خامرته نشأة الوجد فصاح، وتردى من سطح عال فطاح، ومات منكسرًا ميتة صاحب الصحاح، والله أعلم