الإسلامية وعدم الاتفاق
وكان أتابك العساكر، وكافل الملك الناصر، الأمير الكبير يشبك وتحت يده الأكابر والأصاغر، والجند وإن كانوا مدده كثيرا، والجيش وإن تراءى عدده غزيرا، لكن كان كل منهم أميرا، ولم يكن شيء منهم سوى الرأس صغيرا، فتشتت آراؤهم، وتصادمت أهواؤهم، وانتقلت أشعار شعارهم من الدائرة المؤتلفة، إلى الدائرة المختلفة ونقل كل منهم عن وزن بيته إلى عروض، وأخذ في عرض صاحبه بالتقريض، وظهرت في تلك الساعة آيات الرحمن، في اختلاف الألسنة والألوان، وصاروا في رعاية الرعية كالذئب والضبع، وسلطوا على مرعى هزيلها النمر الغضوب والسبع، ولحق في سند هذا الحديث الأصاغر بالأكابر، والأسافل بالأعالي
[ ٢٠٧ ]
والأوائل بالأواخر، وصاروا كما قال الشاعر
تفرقت غنمي يومًا فقلت لها يا رب صلت عليها الذئب والضبعا
وتوجه منهم رؤوس إلى القاهرة، تاركًا كل منهم قوته وناصره، وصدقوا تيمور في نفيه عنهم معرفة السياسة، والدربة في سلوك طرائق الرياسة " فصل " ولما علم الغابرون، ما فعله السائرون، لم يسعهم غير تشمير الذيل، واتباعهم تحت جنح الليل، ومن تخلف عن قوم، أو أخذته سنة أو نوم، وقع في الشرك، وهوى به إلى أسفل الدرك، وكان الناس في الليل والنهار، ملازمين الإقامة على الأسوار، وكل قد فرح وابتهج، وتيقن أنه قد حصل له من سلطانه فرج ففي بعض الليالي صعد الناس إلى مكان عالي، وإذا بأماكن مخيم السلطان، قد ملئت من النيران، ولم يعرف أحد ما الخبر، غير أن الدنيا ملئت بالشر والشرر، وأصبحوا وقد خلت الديار، ولم يبق في قبة يلبغا نافخ نار، فخشعت أصواتهم، وسكنت حركاتهم، فجعلوا يتهاتفون، وفيما بينهم
[ ٢٠٨ ]
يتخافتون، وماج الشر واضطرب، وقال الناس السلطان هرب، فانقصم ظهر الناس، وأيقنوا حلول الباس، وتفاقمت الهموم، وتعاظمت الغموم، وتقطعت بهم الأسباب، وشمل الخلائق أنواع العذاب، وضاقت الحيل كالصدور، وتخبطت الأوامر والأمور " فصل " ثم إن تيمور حمد ربه، ورحل من مكانه ونزل القبة، وألقى عصاه، ونام مستريحًا على قفاه، ونادى بمعنى ما قلت
الحمد لله نلنا ما نؤمله والضد أدبر والمأمول قد حصلا
وحفر الخنادق حوله، وبث في الأطراف رجله وخيله، وأرسل الطلب وراء من هرب، وصار كلما أتى بأحد من أجناد الرجال، أمر بإلقائه بين يدي تلك الأفيال، فتفعل معه الأفيال في تلك الفلاة، ما تفعله المواشي يوم القيامة في مانع الزكاة " فصل " فأما السلطان فإنه لم يصبه من أحد ضيم لأنه نشز نشوز الغيم وانساب انسياب الأيم، وتوجه على وادي التيم، فانتشرت شياطين
[ ٢٠٩ ]
تيمور في الأرض، وملأت الطول والعرض، ووصلت طراشتهم إلى أطراف البلاد وضواحيها، وعامة القرى ونواحيها، وجعلوا من كل حدب ينسلون في مشارق الأرض ومغاربها التي بارك الله فيها وتقدموا إلى المدينة، وكانت كما ذكر بالأهبة حصينة، وبأنواع الاستعداد مكينة، مسدولة بالحجاب، مغلقة الأبواب، فتمنع أهلها عليهم، ولم يسلموها إليهم، رجاء أن يشموا من النجدة الأرج، أو يمن الله عليهم بعد هذه الشدة بفرج، فاستمروا على ذلك نحوًا من يومين، ثم استيقنوا من رجائهم الخيبة ومن ظنهم المين، فكان قدوم السلطان وذهابه بالعساكر كما قال الشاعر
كما أبرقت قومًا عطاشا غمامة فلما رأوها أقشعت وتجلت