من الحرب والويل تحت جنح الليل
فعمد إلى فرس جفول، من بين الخيول، أجمح من دهر رمح وأرمح من عصر جمح، وأتى بها عسكر العدو وقد أخذ الليل في الهدو، ثم ربط في ذنبها قدرًا من النحاس، ملفوفة في قطعة بلاس، وشدها شدة أحكم وثاقها، وصوب رأسها نحو العدو وساقها، فجالت الفرس في المعسكر واضطربت، واختبطت الناس واحتربت وانسابت جداول السيوف في بطون تلك البحار وانسربت، حتى كأن الساعة
[ ٥٨ ]
اقتربت، مواأو السماء عليهم بالشهب انقلبت، والأرض بهم اهتزت وربت وشاه منصور واقف حواليهم كالبازي المطل عليهم، يقتل من شذ، ويبيد من فذ وصار كما قيل
الليل داج والكباش تنتطح نطاح جد ما أراها تصطلح
فقائم وقاعد ومنبطح فمن نجا برأسه فقد ربح
قيل أنهم اقتتلوا فيما بينهم حتى فني نحو من عشرة آلاف نفس، فلما قوض الليل خيامه ورفع النهار أعلامه، علموا البلاء كيف دهاهم، وليت الليل لم يكن فارق ذراهم ثم إن شاه منصور أصبح وقد قل ناصره وفل مؤازره، فانتخب من جماعته فئة نحوًا من خمسمائة، فجعل يصول بهم صولة الأسد، ويخوض بهم غمار الموت، فلا يلوي أمامهم أحد على أحد، ويميل يسره ويمنه وينتسب ويصيح أنا شاه منصور الصابر المحتسب، فتراهم بين يديه حمرا مستنفرة فرت من قسورة، وقصد مكانًا فيه تيمور فهرب منه ودخل بين النساء واختفى بينهن وغطى بكساء، فبادرنه وقلن نحن حرم وأشرن
[ ٥٩ ]
إلى طائفة من العسكر المصطدم وقلن هناك بغيتك وبين أولئك طلبتك، فألوى راجعًا وتركهن مخادعا وقصد حيث أشرن إليه وقد أحاطت به جموع العساكر وحلقت عليه قلت بديهًا
وما حز أعناق الرجال سوى النسا وأي بلاء مالهن به أبلى
وكم نار أحرقت كبد الورى ولم يك إلا مكرهن لها أصلا
وكان على فرس فاقت خصالا فضرب فيهم بسيفين يمينًا وشمالا، وفرسه السبوح كانت تقاتل معه وتصدم وتكدم من يقربها في تلك المعمعة وكأنه ينشد معنى ما قلته في " مرآة الأدب "
يد الله قوتني فغلت يداهم وهذى يدي فيهم بسيفين تضرب
فصار كلما قصد رعلة من تلك الرعال، افترقت أمامه يمينًا وشمالا وإن كانوا كلهم من أهل الشمال ولكن
إذا لم يكن عون الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده
حتى أنهكته الحرب وكلت يداه من الطعن والضرب، وجندلت
[ ٦٠ ]
أبطاله وقتلت خيله ورجاله وتغيرت من كل جهة أحواله، وسدت طرائقه وشدت مضايقه وخرست شقاشقه وضرست فيالقه وخمدت بوارقه وهمدت بيادقه وحص جناحه وقص نجاحه وخف مداحه وأثقلت جراحه وسكنت غمغمته، فانفرد عن أصحابه وقد آده الجراح وأودى به ولم يبق معه في ذلك البحر سوى نفرين أحدهما يدعى توكل والآخر مهتر فخر، وأخذه الدهش، وغلب عليه العطش ونشف الرهج والوهج كبده وطلب شربة ماء فما وجده فلو وجد ما يبل له ريقه لما قدر أحد أن يقطع عليه طريقه، فرأى الأولى طرح نفسه بين القتلى، فأطرح بينهم نفسه، ورمى أهبته وسيب فرسه وقتل توكل ونجا فخر الدين، وبه من الجراح نحو من سبعين، وعمر بعد ذلك حتى بلغ تسعين، وكان من الأبطال والمصارعين فتراجع جيش تيمور وتضام، وانتعش بعد أن بلغ موارد الحمام، وذلك بعد أن قتل منهم مالا يعد، وأفنى ليلًا ونهارًا مالا يحصر ولا يحد
وطفق تيمور في القلق، والضجر والأرق، لفقد شاه منصور وعدم الوقوف
[ ٦١ ]
على حال ذلك الأسد الهصور، أهو في الأحياء فيخشى فكره، أم انتقل إلى دار الفناء فيؤمن مكره، فأمر بتفتيش الجرحى، والتنقيب عنه بين القتلى والطرحى، إلى أن كادت الشمس تتوارى بالحجاب، ويغمد حسام الضياء من الظلام في قراب، فعندما ضم دينار البيضاء، تحت ذيل ملاءة الضياء، ومد نساج القدرة في جو الفضاء سدى، والليل إذا سجى ونثر على سطح هذا الأديم المسا دراهم كواكبه الزهراء، واتسع الظلام واتسق، عثر واحد من الجغتاي على شاه منصور وبه أدنى رمق، فتشبث شاه منصور بذلك الإنسان، بل الشيطان الخوان، وناداه الأمان الأمان أنا شاه منصور فاكتم عني هذه الأمور وخذ مني هذه الجواهر وخافت في قضيتي ولا تجاهر، ولا رأيتك ولا رأيتني، ولا عرفتك ولا عرفتني، وإن أخفيت مكاني ونقلتني إلى إخواني وأعواني، كنت كمن أعتقني بعدما اشتراني، ومن بعد ما أماتني أحياني، وكنت ترى مكافأتي، وتغنم مصافاتي، ثم أخرج له من الجواهر، ما يكفيه وذريته إلى يوم الآخر فكأن في قصته واستكشاف غصته كالمستغيث بعمرو عند كربته فما عتم
[ ٦٢ ]
أن وثب على شاه منصور، وحز رأسه، وأتى به إلى تيمور وحكى له ما جرى بتنجيز المشترى، فما صدقه، ولا في كلامه استوثقه بل أخرج من قبائله وشعوبه من عرفه به فعرفوه بشامة كانت في وجهه علامة، فلما علم أنه شاه منصور بعينه، وتميز له صدق ذلك الرجل من مينه تحنق وتحيف، وتحرق لقتل شاه منصور وتأسف، ثم سأل ذلك الرجل عن محتده، وعن والده وولده، وعن قبيلته وذويه، ومخدومه ومربيه، فلما استوضح أخباره، وعلم نجاره ووجاره أرسل مرسومه إلى متولي تلك الدار فقتل أهله وأولاده وأعوانه وأنصاره وآله وأحفاده وأختانه وأصهاره وقتله شر قتلة ومحا آثاره وصادر مخدومه وقتله وخرب دياره ثم أرسل إلى أطراف ممالكه مطالعات، يذكر فيها صور تلك المصافات والمواقعات، وما شوهد من وثبات شاه منصور وثباته، وغشيانه غمرات الحروب وضرباته، وما حصل في واقعة القتال على الحديد في صف مرسلاته، وكيف زلزلت العاديات ولولت النساء في فتح حجراته بعبارات هائلة وكلمات في ميادين الفصاحة والبلاغة جائلة، وهذه المطالعات
[ ٦٣ ]
تقرأ في المحافل والمشاهد، وتتلى في المصادر والموارد ويستمد منها ذوو الأدب، ويعني بحفظها الكتاب والصبيان في الكتاب " رأيت " في أخبار بعض المعتنين، أنه في شوال سنة خمس وتسعين، ورد رسول صاحب بسطام، يؤذن سلطان مصر بالإعلام، أن تيمور قتل شاه منصور واستولى على شيراز وسائر البلاد، وأرسل رأسه إلى حاكم بغداد، وأمره بالطاعة، هو ومن معه من الجماعة، وأرسل إليه خلعة، وأن يضرب السكة باسمه ويخطب بذلك في الجمعة، فلبس خلعته وائتمر ممتثلًا كل ما به أمر وأنه علق رأس شاه منصور، بعدما طافوا به على السور، وما أظن لذلك صحة