هراة الذي خلصه من الصلب وراود فيه أباه
ثم إنه راسل سلطان هراة ملك غياث الدين الذي كان مغيثه عملًا بقوله كتب الله على كل نفس خبيثة وطلب منه الدخول في ربقة الطاعة وحمل الخدم والتقادم إليه بحسب الاستطاعة وإلا قصد دياره وبلغه دماره فأرسل ملك غياث الدين يقول صحبة الرسول أما كنت خادمًا لي وأحسنت إليك وأسبلت ذيل إحساني ونعمتي عليك؟ فختلت وقتلت وفتكت وفتلت وفعلت فعلتك التي فعلت، وذلك بعد أن نجيتك من الضرب والصلب، فإن لم تكن إنسانًا تعرف الإحسان فكن كالكلب فعبر جيحون وتوجه إليه فلم يكن لغياث
[ ٣٢ ]
الدين قوة الوقوف بين يديه، فأرسل إلى حشمه وسكان قراه فاجتمعوا هم ومواشيهم حول هراة وحفر خندقًا حول البساتين، محيطًا بالرعاع وضعفة المساكين، وحصر نفسه في القلعة، وحسب أن يكون له بذلك منعة، وذلك لركاكة رأيه أولا وآخرًا وجمود قريحته وقلة عقله وانعكاس فكره ودولته قلت
من لم يصادف سعده تقديره يخطفه في تدبيره تدميره
فلم يكترث تيمور له بقتال وحصار، ولكن أحاطت به العساكر دائرًا ما دار ومكث تيمور في الأمن والدعة، وعدوه في الضيق بعد السعة، فاضطربت الرؤوس والحواشي ومارت الأنعام والمواشي، وغص البلد بالزحام، وهلكت الخواص والعوام، وأضناهم " الوصب وأنضاهم " السغب وعلاهم الصراخ والصخب فأرسل إليه السلطان يطلب منه الأمان وعلم أنه اختنق بسببه وأنه أعانه أولًا فبلي به فذكره سابقة العرفان وما أسداه إليه من إحسان، وطلب منه تأكيد الأمان بالأيمان فحلف له تيمور فحلف له تيمور أنه يحفظ له الذمام القديم وأن لا يراق له دم ولا يمزق له أديم فخرج إليه ودخل عليه وتمثل بين
[ ٣٣ ]
يديه فدخل تيمور إلى المدينة وصعد إلى قلعتها الحصينة وصحبته السلطان، وقد أحاطت به جنود هراة والأعوان فأشار واحد من أبطال صاحب هراة على السلطان أن يقتل تيمور ويجعل نفسه فداه وقال له ما معناه أنا أفدي المسلمين بنفسي ومالي وأقتل هذا الأعرج ولا أبالي، فلم يجبه إلى إشارته واستسلم لقضاء الله تعالى وإرادته وقال إن لله تعالى تصريفًا في عباده ولا بد أن ينفذ فيهم سهم مراده ولا مفر من القضا ولا محيد عما قدر الله وقضى
وإذا أتاك من الأمور مقدر وفررت منه فنحوه تتوجه
وهذا سر لا بد من ظهوره فلا تبحث عن حقيقة أموره فمن غالب القضاء غلب ومن ناهب الزمان سلب، ومن قاوى تيار المقدور غرق ومن استلذ بالغفلة في مشارب اللهو شرق، وذكر عند ذلك الوقت مقالة أبيه له واطلع على تحقيقه ولكن السهم خرج فما أمكن رده إلى فوقه