على يد بيسق بعدما فروا من بين يديه
[ ٢٢٨ ]
وقيل إن السلطان لما هرب، أرسل إليه كتابًا أقام فيه عليه الحرب، فمن معناه، وفحوى ما عناه لا تحسب أننا جزعنا منك، أو فررنا عنك، وإنما بعض مماليكنا قوى أنفاسه، وأخرج عن ربقة الطاعة رأسه، وتصور أن كل من خرج عرج، ولم يعتبر بمن رام للارتقاء سلمًا فدرج، وأراد بذلك مثلك القاء الفساد، وهلاك العباد والبلاد، وهيهات فإن دون مرامه خرط القتاد، والكريم إذا بدا بجسمه مرضان داوى الأخطر، ورأيناك أنت أهون الخطبين وأحقر فثنى عزمنا الشريف عنانه، ليعرك من ذلك القليل الأدب آذانه، ويقيم في نظم طاعته ميزانه، وأيم الله لنكرن كرة الأسد الغضبان، ولنوردن منك ومن عسكرك نواهل القنا موارد الأضغان، ولنحصدنكم حصد الهشيم، ولندوسنكم دوس الحطيم، فلتلفظنكم رحى الحرب في كل طريق، لما تعانون من غليظ الطعن وجليل الضرب لفظ الدقيق، ولنضيقن عليكم سبل الخلاص، فلتنادن " ولات حين مناص " أو نحو هذه الترهات، ومثل هذه الخرافات، التي هي كالملح على الجروح، وكالريح عند خروج الروح، ولو كان بدل هذا الكلام الذي لا طائل فيه، والخطاب الهذيان الذي تمجه الآذان
[ ٢٢٩ ]
وترميه، ما يستميل خاطره، ويطفئ من لهيب غضبه النائرة، مع شيء من الهدايا والتقادم، وإبراز قضاياهم في صورة المعتذر النادم، ربما كان كسر من غيظه، أو همد من حنقه وبرد من قيظه، وإنما فعلوا تلك المعذرة، بعد حريق دمشق وخراب البصرة، وأرسلوا الخدم والهدايا صحبة النعام والزرافات، وقد أعجز التدارك وفات وصاروا كما قيل
ذو الجهل يفعل ما ذو العقل يفعله في النائبات ولكن بعدما افتضحا
وكما قيل وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل " فصل " ذكر بيسق هذا قال لما مثلت بين يديه، وأديت الرسالة، وقرئ الكتاب عليه، قال لي قل الحق، ما اسمك؟ قلت بيسق، قال ما مدلول هذا اللفظ المزري؟ قلت له يا مولانا لا أدري، فقال أنت لا تعرف مدلول اسمك يا ثعالة، فكيف تصلح لتحمل الرسالة، ولولا أن عادة الملوك أن لا يهيجوا الرسل، وقد مهدوا على ذلك القواعد وسلكوا
[ ٢٣٠ ]
السبل، وأنا أولى من يتبع آثار السلاطين، ويحيي سنن الملوك الماضين، لفعلت معك ما يجب فعله، ولأوصلتك ما أنت أهله، وبعد هذا فلا عتب عليك، وإنما اللوم على من تقدم بهذا الأمر إليك، ولا حرج عليه أيضًا لأن ذلك مبلغ علمه، ومدرك عقله وفهمه، وقد ظهر بفعله الوبيل، نتيجة ما قيل
تخير إذا ما كنت في الأمر مرسلا فمبلغ آراء الرجال رسولها
ثم قال لي توجه إلى قلعتكم، ومكان عزتكم ومنعتكم، فذهبت فوجدتها قد دكت دكًا، وسيم حرمها وحريمها خسفًا وهتكًا، ثم أتيته، وذكرت له ما رأيته، فقال إن مرسلك أقل من أن أجامله، وأذل من أن أراسله، ولكن قل له إني واصل إليه على عقبك، وها أنا مشبت مخاليب أسودي بذنبك، فليشمر للقرار أو للفرار الذيل، وليعد لأيهما اختار ما استطاع من قوة ومن رباط الخيل، ثم أمر بي فأخرجت، وما صدقت أن تصوبت! إلى جهة مصر ودحرجت
" فصل "
[ ٢٣١ ]
وحين ملأ جراب طمعه من نفائس ردنه، واستدر خلفاتها شيئًا فشيئًا صافيًا ورونقًا حتى صفاها بقطنه، أمر بتعذيب هؤلاء الأعيان الكبار، فعذبوهم بالماء والملح وسففوهم الرماد والكلس وكووهم بالنار، واستخرجوا خبء الأموال منهم استخراج الزيت بالمعصار
ثم أطلق عنان الإذن لعساكره بالنهب العام، والسبي الطام، والفتك والقتل والإحراق، والتقيد بالأسر على الإطلاق، فهجمت أولئك الكفرة الفجرة على ذلك أشد الهجوم، وانقضوا على الناس بالتعذيب، والتثريب والتخريب، انقضاض النجوم، واهتزوا وربوا، وفتكوا وسبوا، وصالوا على المسلمين وأهل الذمم، صولة الذئاب الضواري على ضواني الغنم، وفعلوا مالا يليق فعله، ولا يجمل ذكره ونقله، وأسروا المخدرات، وكشفوا غطاء المسترات، واستنزلوا شموس الخدور، من أفلاك القصور، وبدور الجمال من سماء الدلال وعذبوا الكبار والأكابر بأنواع العذاب وبدا للخلق ما لم يكن في الحساب، واستخلصوا بإصلاء جواهر الناس النار منهم خلاصات الذهب، وصنفوا في استخراج النفائس
[ ٢٣٢ ]
من النفوس بأصناف العذاب مسائل يقضي منها العجب وفرقوا بين الوالدة وولدها، والروح وجسدها، وذهلت كل مرضعة عما أرضعت، وجازوا كل نفس بما صنعت، وبغير ما صنعت، وفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، وصار لكل منهم يومئذ شأن يغنيه، وذل العزيز والكريم، وهان الخطير والجسيم، وطم البلاء، وعم القضاء، وطاشت الحلوم، وتبلدت الفهوم، وتراكمت غيوم الغموم، فأقسم بالله لقد كانت تلك الأيام، علامة من علامات يوم القيامة، وأسفرت تلك الساعة، عن اشراط الساعة، واستمر هذا النهب العام، نحوًا من ثلاثة أيام