ووقع في مخالب أسره من أعيان دمشق
وأخذ من أعيان الشام، ومشاهيرها الأعلام، قاضي القضاة محي الدين بن العز الحنفي بعد أن عاقبوه بأنواع العقاب وكووه، وسقوه الماء والملح وبالكلس والنار شووه، وولده قاضي القضاة
[ ٢٣٦ ]
شهاب الدين أبو العباس، فوصلا إلى تبريز ومكثا بها مدة في شدة وبأس، ثم رجعا إلى الشام، وأخذ أمرهما في الانتظام، وقاضي القضاة شمس الدين النابلسي الحنبلي، وقاضي القضاة صدر الدين المناوي الشافعي، فتوفي إلى رحمة الله الوهاب، غريقًا في نهر الزاب، وشهاب الدين أحمد بن الشهيد المعتبر، وكان متحملًا أوزار الوزر بعد أن راموا عذابه، وطلبوا عقابه، وكان قد جهز متعلقيه إلى الأماكن البعيدة، وأقام هو في دمشق في جريده، فذكر لهم حكايته، وبذل لهم في دفع موجوده طاقته، فأخذوا ما أخفاه خفية ولم يعذبوه، ولكنهم بالأهبة والقلة استصحبوه، فوصل إلى سمرقند وقاسى بها من صروف الزمن، أنواعًا من غربة وفقر ومحن، ثم رجع إلى دمشق وتوفي بها رحمه الله تعالى ومن الأمراء الخاص، الأمير الكبير بتخاص، وكان مقيدًا معه ومات، عند وصوله إلى الفرات فأما القاضي ناصر الدين ابن أبي الطيب فإنهم عاقبوه بكل بلية، وكان رقيق البدن لطيف المزاج سوداويه فما كان عنده لذلك ثبات، فأعجزهم عما يرومون منه بالموت وفات، فمات واستراح، وشرب
[ ٢٣٧ ]
من الشهادة كأس مدام جاءه وراح، فدفنوه عشية، بالمدرسة الكروسية ولما شرع في النهب العام المبرح، استشهد غلطًا قاضي القضاة تقي الدين ابن مفلح، وبرهان الدين بن القوشة، ضعف سبعة عشر يومًا، وانقطع في حارة تل الجبن ولحق بالأموات قومًا، وكانوا قد حرجوا على الأحياء والأموات، وخافوا أن لا يكون لأحد من أيديهم بحجة الوفاة فوات، فضبطوا بيوت المدينة بيتًا بيتًا، وحرجوا أن لا تخرج الأحياء ولا تجهيز الموتى، فلما مات المذكور تعسرت الأمور، فتحيروا في تجهيزه، وتغلبوا في أمره وتنجيزه، ثم بعد جهد بليغ وسعي كثير، دفنوه في الصالحية بعد إخراجه من باب الصغير وخرج مع تيمور بالاختيار من الشام عبد الملك بن التكريتي، فولاه نيابة سيرام، فمكث فيها القليل من الأيام، وهي وراء سيحون، وشخص آخر يدعى بيلبغا المجنون، وكان مقربًا عنده، وسبب ذلك أنه بذل في مناصحته جهده، وأخبره على ما قيل بفداوى، فخلصه بذلك من المهالك والمهاوي، وحصل له بذلك قربة، وزيادة ملازمة وصحبة، فولاه ذلك الجاس، نيابة مدينة
[ ٢٣٨ ]
تدعى ينكي تلاس، وراء نهر خجند، نحو خمسة عشر يومًا عن سمرقند، بينها وبين سيرام، نحو من أربعة أيام وكان اسم ذلك المأبون، أحمد فتقلب يلبغا المجنون وأخذ من دمشق أرباب الفضل وأهل الصنائع، وكل ماهر في فن من الفنون بارع، من النساجين والخياطين، والحجارين والنجارين، والأقباعية والبياطرة والخيمية، والنقاشين والقواسين والبازدارية، وفي الجملة أهل أي فن كان، وجمع كما ذكر السودان
وفرق هؤلاء الطوائف على رؤوس الجند، وأمرهم أن يوصلوهم له إلى سمرقند، وأخذ جمال الدين رئيس الطب، وشهاب الدين أحمد الزردكاش، وكان في القلعة كما ذكر، وأباد من عسكره خلقًا لا يحصون، ولا يحصرون كثرة ولا يستقصون، وكان في حدود التسعين وقد احدودب، فلما رآه قابله بالسخط والغضب، وقال له إنك أفنيت صاغيتي، وحصيت غاشيتي، وقصيت حاشيتي، فإن قتلتك مرة واحدة لا يشفى غليلي، ولا يبرد عليلي، ولكن أعذبك على كبر سنك، وأزيدك كسرًا على كسرك، ووهنًا على وهنك، فقيده بقيد من فوق ركبتيه، زنته سبعة
[ ٢٣٩ ]
أرطال ونصف رطل بالدمشقي، وقصد بذلك التشديد عليه، فلم يزل مقيدًا، مكتوبًا على قيده مخلدًا أبدا، حتى مات تيمور، وارتفعت الشرور، وخلص من القيد ذلك المأسور، ثم توفى إلى رحمة الله تعالى وربما يكون أخذ أناسًا من الفضلاء، والأعيان والسادات والنبلاء، من لا أعرفه، فكيف أصفه كذلك كل أمير من أمرائه، وزعيم من زعمائه، أخذ من الفقهاء والعلماء، وحفاظ القرآن والفضلاء، وأهل الحرف والصناعات، والعبيد والنساء والصبيان والبنات، مالا يسع الضبط، ولا يحل الربط، وكذلك كل من عسكره كبيرًا وصغيرًا، آسرًا وأسيرا لأنه ما تم حرج على ما نهب شيئًا وعزله، وكل من سبقت يده إلى شيء فهو له، وهذا إذا أطلق عنان الإذن بالنهب العام، تساوى فيه الخواص من عسكره والعوام، ولو كان الناهب أسيرًا فيهم، أو دخيلًا عليهم، والسالب من غير طينتهم، ولكن أبيح له ذلك لما سار بسيرتهم، وتخلق بشيمتهم، وأطلق عليه حكمهم، وأجرى عليه شكمهم، فأما قبل الإذن فلو تعدى أحد على أحد، وكان عند تيمور بمنزلة الوالد
[ ٢٤٠ ]
أو الولد، أو استطال بمقدار حبة، أو تلفظ بغارة أو نهبة، فإنه يهدر ماله ودمه، ويهتك حرمته وحرمه، ولا ينجيه استغفاره وندمه، ولا يجديه أهله وخدمه، ولا يقال لعًا لمن زلت به قدمه، وكانت هذه قاعدة لا تخرم، وبنية لا تهدم