وكيفية استيلائه على سيواس وتلك الأراضي
وسبب قتل القاضي برهان الدين، مخالفة وقعت بينه وبين عثمان قرايلوك رأس المعتدين، سيزداد بيانها، إذا أتى مكانها، وهذا
[ ١٥٧ ]
السلطان أبوه قاضيًا كان، عند السلطان أرتنا حاكم قيصرية وبعض ممالك قرمان، وكان بين الأمراء والوزراء ذا مكانة ومكان، وكان ابنه برهان الدين أحمد المذكور في عنفوان شبابه، من طلبة العلم الشريف وأصحابه، والمجتهدين في تحصيله واكتسابه
فتوجه إلى مصر لاقتناء العلوم، وضبطها من طريقي المنطوق والمفهوم، وكان ذا فطنة وقادة، وقريحة نقادة، ومقلة غير رقادة، فحصل من العلوم عدة في أدنى مدة، فبينما هو في مصر يسير، وإذا هو بفقير جالس على الطريق كسير، فناوله شيئًا يسد به خلته، ويجبر به فقره وكسرته، فكاشفه ذلك الفقير بلفظ معلوم، وكشف له عن السر المكتوم، وقال له لا تقعد في هذه الديار فإنك سلطان الروم، فصدع بهذا الكلام قلبه، فأخذ في إعداد الأهبة، وقطع الأعلاق، ودخل الطريق صحبة الرفاق ولما وصل إلى سيواس، ابتهج به والده وأعيان الناس، وشيد له بين الخلق أسد بنيان وأشد أساس، وشرع في إلقاء الدروس، ومصاحبة الأعيان والرؤوس، وكان ذا همة أبية، وراحة سخية، ونفس زكية، وخصائل رضية، وشمائل مرضية،
[ ١٥٨ ]
وتحرير شاف، وتقرير واف، يحقق كلام العلماء، ويدقق النظر في مقالات الفضلاء وله مصنفات في المعقول، ولطائف في المنقول، ينظم الشعر الرقيق ويعطى عليه العطاء الجليل، ويعجبه اللفظ الدقيق ويثيب عليه الثواب الجزيل، وهو في ذلك يتزيا بزي الأجناد، ويسلك طريقة الأمراء من الركوب والاصطياد، ويلازم أبواب السلطان، ويتخذ الخدم والأعوان فمات السلطان عن ولد صغير، فأجلسوه على السرير، وكان عنده من أعيان الأمراء، ورؤوس الوزراء، ناس منهم غضنفر بن مظفر، وفريدون، وابن المؤيد، وحاجي كلدي، وحاجي إبراهيم، وغيرهم ومن أكبرهم أبو القاضي برهان الدين فصار هؤلاء الأمراء، والرؤوس من الوزراء والكبراء، يدبرون مصالح الرعية ولا يفصلون إلا بالاتفاق ما يقع من قضية، فمات أبو القاضي برهان الدين وتولى ولده مكانه، وفاق بالعلم وحسن السياسة أباه وأقرانه، ففرق ولايات ذلك الإقليم، على ابن المؤيد وحاجي كلدي وحاجي إبراهيم، فبقي حوالي السلطان محمد فريدون وغضنفر وبرهان الدين أحمد ثم توفى السلطان محمد، من غير ولد، فبقيت
[ ١٥٩ ]
الولاية بين الثلاثة، على سبيل الاشتراك وراثة، وقلما اتفق ضرتان على زوج واحد وأتلفتا " ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ومائة فقير، يلتفون في حصير، وملكان لا يسعهما إقليم كبير فأراد برهان الدين الاستبداد بالملك والاستقلال، فنصب لشريكيه أشراك الاحتيال، إذ الملك عقيم، فرصد لذلك الطالع المستقيم، ونظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم، فرأى شريكاه أن العيادة عباده، فطلبا بعيادته الحسنى ورام هو الزيادة، فعاداه وقد عاداهما، وما راعياه ولكن راعهما وما راعاهما، فدخلا عليه وقد أرصد لهما رصدًا، وأعد لهم من الرجال المعدة عددا، وقتلهما وقد حصلا في قبضة الأشراك، وخلص توحيد السلطنة الأحمدية عن الإشراك، فقوى بالتوحيد سلطانه، وأضاء به للدين حجته وبرهانه، ولكن ناوأه أنداده، وعصى عليه من النواب أكفاؤه وأضداده، وأظهر كامن العداوة أعداؤه وحساده، وقالوا هذه مرتبة لم ينلها آباؤه ولا أجداده، ونحن كلنا سواسية إذا انتمينا، فأنى يكون له الملك علينا؟ وحسد الرياسة هو الغل القمل، وتحاسد الأكفاء جرح لا يندمل، فمنهم شيخ نجيب
[ ١٦٠ ]
صاحب توقات القاسية، ومنهم حاجي كلدي وكان نائب أماسية فلما استقل بالملك تلقب بالسلطان، وكان قد استولى إذ ذاك السلطان علاء الدين على ممالك قرمان، فقال السلطان برهان الدين إن رواة التواريخ حدثتنا وأسمعتنا، وكتب السير أنبأتنا وأخبرتنا، أن ما حوالينا من الممالك متعلق بنا، من سلطاننا وإرثنا ثم شرع في استخلاص ما كان متعلقًا بسلطانه، وجعل يشن الغارات على من يتمادى في عصيانه، فقلع قلعة توقات من الشيخ نجيب قسرا، واستصحبه معه طيبة وقهرا، وانحازت تتار الروم إليه وهم الجم الغفير، وعثمان الملقب بقرايلوك قال له أنا تحت أوامرك أمشي وفي قيد طاعتك أسير، فكان قرايلوك من جملة خدمه، وفي حساب تراكمته وحشمه، فكان يرحل هو ومن معه من الناس، شتاء وصيفًا بضواحي سيواس