لو أنها نفعت
ثم في بعض الأيام، تقدم من أولئك الأغتام، نحو من عشرة آلاف، وزحفوا إلى ميدان المصاف، فنهض لهم من العساكر الشامية، نحو من خمسمائة ثم أتبعهم الأمير استنباي في نحو من ثلاثمائة قلت
أسود إذا لاقوا ظباء إذا عطوا جبال إذا أرسوا بحار إذا سروا
شموس إذا لاحوا بدور إذا انجلوا رياح إذا هبوا غمام إذا هموا
صقور إذا انقضوا نمور إذا سموا رعود إذا صاحوا صواعق إن رموا
مع كل منهما خطار تسجد قدود الملاح لخطراته، وبتار يتعلم سفك الدماء من لحظاته، وحنية تضاهي حاجبه، وسهام في تشبهها بأجفانه صائبة، وترس لين اللمس، إذا تغطى به رأيت البدر علا الشمس، وعليه خوذة كأنها من لمعات وجنته مأخوذة، أو من بوارق طلعته مفلوذة، إذا نظر الطرف إليها يأخذه الانبهار، يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار، ولبوس أشبه لابسه، وصار ملابسه ظاهره حرير
[ ٢٠٤ ]
ناعم كبشرته، وباطنه حديد كقلبه في قسوته، وقد امتطوا الفحول من نجائب الخيول، فكأن بدور تلك الجموع، مع الرماح الملتهبة الأسنة عرس تجلى تحت الشموع، وتوجهوا إلى حومة الوغى، وتلاقوا في واد خلف قبة يلبغا
" وفتية من كماة الترك ما تركوا للرعد أصواتهم حسًا ولا حيتا
قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة حسنا وإن قاتلوا كانوا عفاريتا "
" فصل " ولما رأت هذه الأسود تلك الذئاب والكلاب، كانوا كالمؤمنين وقد رأوا الأحزاب، فبان منهم صحيح الضرب وعليله، وقالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله فأحاط أولئك بهؤلاء لكثرة الغلبة، وأداروا لقرضهم على هذه البحور الدائرة المجتلبة، وحين صاروا في خباء هذه الدائرة كالعروض اشتغلوا بالضرب وتقطيع الدائرة بالحرب العضوض، فأول ما أضمروا لهم في ذلك الزحف قطع الرأس وخبل العقل وقطف الكف، فصلموا بالرمح الطويل عقلهم، وثلموا بالرشق المديد شكلهم، وبتروا بالعضب البسيط وافرهم، وشتروا بالسهم السريع كاملهم، فخذوهم وقصموهم، وخزموهم " وخرموهم " وشعثوهم وثرموهم، وجموهم، ووقصوهم، وعصبوهم، وعقصوهم، وخذلوهم، ونقصوهم،
[ ٢٠٥ ]
فردوا صدورهم على الأعجاز، وسدوا على حقيقة الخلاص منهم المجاز، فانكشفوا عنهم، وهم ما بين مشطور، ومقطوع، ومحذوف، ومجزو، ومنهوك، وموقوف ورجع أسنباي المشار إليه وقد اقتضب بحربه المتدارك حفيفهم، واجتث بضربة المتقارب المتماسك ثقيلهم وخفيفهم، وتسبيغ سوابغهم بالنصر مرفل، وبالتمكين التام مذيل، وبيت دائرتهم المتفقة آمن من الخلل، وعروضه وضربه سالم من الزحاف والعلل