ومثوله سامعًا مطيعًا بين يديه
ثم إن الأمير اسفنديار بن بايزيد، وهو أحد ملوك الروم له في السلطنة قصر مشيد، ورث الملك عن أبيه وكان مستقلًا بالإمرة، وبينه وبين الملوك العثمانية عداوة موروثة ونفرة، وتحت حكمه بعض مدن وقلاع، ووهد ويفاع منها مدينة سينوب الملقبة بجزيرة العشاق، يضرب بظرافتها المثل في الآفاق، وهي في النحر من البحر في جزيرة كبيرة، سبيل الدخول إليها عسيرة، بها جبل أحسن من أرداف الحور، متصل بمعبر أدق من دقيق الخصور، وهي معقل إسفنديار ومعاذه، وحرز خزائنه وملاذه، أعصى من إبليس، وأوثق من كف بخيل يخاف التفليس
ومنها قسطمونية تخت ملكه، وبحر فلكه ومنها سامسون، وهي قلعة على جانب البحر للمسلمين، مقابلتها نظيرتها للنصارى المجرمين،
[ ٢٨١ ]
بينهما دون رمية حجر، وكل منها آخذة من الأخرى الحذر، وغير ذلك من القلاع والقرى، والقصبات في الوهد والذرا لما بلغه ما فعله تيمور الغدار، مع أولاد ابن قرمان والتتار، ومع قرايلوك وطرتهن حاكم أرزنجان، والأمير يعقوب بن علي شاه متولي كرمان، ومن توجه إليه من حكام منتشا وصاروخان، وأنه لا يهيج من أطاعه وتلبس لأوامره بالسمع والطاعة، سارع إلى المثول بين يديه، وتهيأ للوفود عليه، فأقبل بالتحف العالية، والنتف الغالية، فقابله بالبشرى، وعامله بالسرا، وأقره في مكانه، نكاية لابن عثمان، ثم أمره وأولاد قرمان، ومن اتسم له بميسم الطاعة والإذعان، من أمراء تلك الأكناف والأكنان، أن يخطبوا ويضربوا السكة باسم محمود خان، والأمير الكبير تيمور كوركان، فامتثلوا أوامره، وحذروا زواجره، وأمنوا بذلك الغارة والمصادرة " وتوفي إسفنديار المذكور في شهور سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، وهو طاعن في السن، وهو من أواخر الملوك الذين وفدوا على تيمور، واستولى بعده على ممالكه ولده إبراهيم بك ووقع
[ ٢٨٢ ]
بينه وبين أخيه قاسم بك مشاجرات، وانحاز قاسم إلى الملك مراد ابن عثمان، ولله الأمر من قبل ومن بعد " " فصل " ثم إن تيمور أخرج مال ابن عثمان وغيره من الذخائر، واستصفى لخزائنه ما كان إرثًا وكسبًا لملوك الأروام من النفائس والأخائر، وشتى في ولايات منتشا، وألقى لدروسها مباحث تصريفه كيف شا، وانتهى إلى أقصاها، وحرر البحث في مسائل الخمس والمغانم فاستقصاها، وانبث جنوده في آفاقها، وغاصت في بحار ممالكها من أثباج أطوادها إلى قرار أعماقها، فمن فارع إلى جبال جباهها، وقمم صياصيها، ومن متعلق بآذان مراميها، ومتسلق بأذيال نواصيها، ومن راكب أكتاف أكنافها نازل في سواحلها، دائس بأرجل سعيه خدود روضها الأنف جائس بكاهل أهلها، ومن دامغ دماغها بأهداب رماحه لأجل العين، بالغ من غير حاجب له منها ما رام باليد واليدين، ومن حال على نهد صدرها، تال رءوسها ووجوهها للجبين على ظهرها، ومن ماد أنامل تعديه من غير كف إلى معاصمها ومرافقها،
[ ٢٨٣ ]
كاد بأقدام الفساد في بطون مغاربها وأفخاذ مشارقها فجزوا الرؤوس، وحزوا الرقاب " وقطعوا الأعناق " وفتوا الأعضاد، وبتوا الأكتاد، وحرقوا الأكباد، وشوهوا الوجوه، وأسالوا العيون، وأشخصوا الأبصار، وبطوا البطون، وأخرسوا الألسنة، وصكوا المسامع، وأرغموا الأنوف، وأذلوا العرانين، وهشموا الثغور، وحطموا الصدور، وقصموا الظهور، ودقوا الفقر، وشقوا السرر، وأذابوا القلوب، وفطروا المرائر، وأراقوا الدماء، واستحلوا الفروج، وأحروا الأنفاس، وأبادوا النفوس، وسبكوا الأشباح، وسلبوا الأرواح، ولم يخلص من شرهم من رعايا الروم الثلث ولا الربع، وصارت جماعاتهم فيهم ما بين منخنقة وموقوذة ومتردية ونطيحة وما أكل السبع