وهذه القلعة عنقاء قلتها تكبر أن تصاد، وعرنين عانسها يأبى أن يدخل لخاطب تحت مقود انقياد، لأنها في قلة من القلل، على ظهر جبل، لم يكن فرق بينه وبين قبة الأفلاك، إلا أن تلك لا ثبات لها وهذا ثابت ليس به حراك، بظهره واد بطنه أوسع من صدر الأحرار، فيه جنات تجري من تحتها الأنهار، وبه مطارح الزروع، ومسارح المواشي والضروع، وحدود جروف لا تصل همم ذوي الكرم إلى أرجائها، وحروف يعجز قارئ التفكير عن تعديد هجائها، وطريقه من القلعة أو على القلعة، والقلعة في غاية المناعة والرفعة، والمدينة مبنية حواليها، متشبثة بذيلها، تأكل من فضلات نعمها، وتشرب من فائض سيلها، فهم بين نعمهم ونقمهم يترددون، وفي السماء رزقهم وما يوعدون فأقام لمحاصرتها على مضائقها، يسترشد إلى طرق المضايقة وطرائقها، ولم يكن حواليها مكان للقتال، ولا لنصب المجانيق مجال، فعول على نقبها بالمعاول والفؤوس، واستعان على ذلك بالمقاول
[ ٢٤٣ ]
والرؤوس، وحاشا درز ذيل حشمتها وعصمتها أن يسام فتقا، لأنها وإن كانت عذراء قد أعجزت الفحول لكونها رتقا، فلازالت المعاول تفل، والفطاطيس تكل، ومناقير القوس تتعقف، وخصور المرازب كهيف القدود تتقصف قلت
كأن معولهم في ثقب تربتها منقار طير على صلد من الحجر
أو عذل ذي حسد صبًا به صمم أو غمز عين معنى فاقد البصر
واستمر على اللدد والخصام، إلى العشرين من شهر الصيام، ولم يحصل على طائل، ولم يظفر بمرام