كان الخلفاء الراشدين يستوون مع الرعية في إجراءات التقاضي، بل إنهم عززوا مكانة القضاة وطالبوهم بأقصى درجات العدل في المساواة بين الناس حاكمهم ومحكومهم. وقد تخاصم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ مع الصحابي الجليل أبي بن كعب في ملكية بستان، فحكما زيد بن ثابت، فأتياه في منزله، فلما دخلا عليه قال له عمر: جئناك لتقضي بيننا، وفي بيته يؤتى الحكم.
_________________
(١) مقاتلون يراقبون العدو في الثغر الذي يسكنونه لئلا يباغتهم، ويتكفلون بصده عمن وراءهم.
(٢) عبد الرزاق: المصنف ٥: ١٩٧ - ١٩٨، والمتقي الهندي ٥: ٥٦٩ - ٥٧٠ واللفظ له. وناصر بن عقيل الطريفي: القضاء في خلافة عمر بن الخطاب ٢: ٨٦٢. وانظر بعض أحكام القضاة التي تدعم هذا التوجه (ابن أبي شيبة: المصنف ١٠: ١٥، وعبد الرزاق: المصنف ٧: ٣٧٠ - ٣٧١).
(٣) الشافعي: الأم ٥: ١٣٢، والطبري: تفسير ٦: ٦٧.
(٤) ابن قدامة المقدسي: المغني ٧: ٣٦٨، ٤٣٣.
[ ١٦١ ]
فتنحى له زيد عن صدر فراشه، فقال: هاهنا يا أمير المؤمنين. فقال عمر: جرت يا زيدُ في أول قضائك، ولكن أجلسني مع خصمي. فجلسا بين يديه. فادعى أبي وأنكر عمر. فقال زيد لأبي: أعف أمير المؤمنين من اليمين، وما كنت لأسألها لأحد غيره. فحلف عمر. ثم حلف عمر لا يُدرك زيد القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء" (١).
وساوم عمر بن الخطاب بفرس فركبه ليجربه فعطب، فقال لصاحبه خذ فرسك. فأبى الرجل، فاحتكما إلى شريح، فقال شريح: يا أمير المؤمنين خذ ما ابتعت أو رُدَّ كما أخذت. فقال عمر: وهل القضاء إلا هكذا؟ فبعثه إلى الكوفة قاضيًا (٢). وكان يتعاهده بالرسائل التي تحتوي على توجيهات بالقضاء وطرقه (٣).