أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الأنصاري (٥٠٤ - ٥٨٤ هـ)، ولد بالمرية، وقرأ القرآن، وتعلم الفقه والأدب والعربية، وفي سنة ٥٣٠ هـ انتقل إلى قرطبة حيث أفاد من علمائها، وعاد سنة ٥٣٤ هـ إلى المرية ومكث فيها حتى أسره الروم في استيلائهم عليها ثم أطلقوه فخرج منها عام ٥٤٢ هـ إلى مرسية، ثم منها إلى جزيرة شقر متوليًا قضاءها حتى سنة ٥٥٤ هـ، ثم وكل إليه الخطبة بجامع مرسية، ثم تولى سنة ٥٧٥ هـ قضاء مرسية لأبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ)، وفي هذه السنة شرع بتأليف كتابه الغزوات الضامنة الكافلة والفتوح الجامعة الحافلة الكائنة في أيام الخلفاء الأئمة الأول الثلاثة أبي بكر الصديق وأبي حفص الفاروق وأبى عمرو ذي النورين وهو في السبعين من عمره، وقد توفي وهو على قضاء مرسية عام ٥٨٤ هـ.
وقد وصف ابن حبيش بالنزاهة والأنصاف، وضيق الخلق وصرامة الأحكام، ولم يكن التأريخ بين العلوم التي درسها وهي القراءات والحديث واللغة والغريب، ولم يؤلف (الغزوات) إلا بناء على أمر يوسف بن عبد المؤمن أمير الموحدين الذي عينه قاضيًا رغم مالكيته التي حاربها الموحدون! ولعل كبر سنه وضعف عزمه وتعيينه قاضيًا عوامل تكمن خلف ثنائه على الموحدين حيث وصف ابن تومرت بالإمام
[ ٢٤ ]
المعصوم والمهدي المعلوم! ولكن تأخره في تصنيف كتابه المغازي لا يعني عدم اهتمامه بفن التأريخ، فقد نسخ عددًا من تواريخ الأندلسيين، ابن حيان والخشني وعياض، ورواها وعلق عليها (١). وقد انفرد ابن قاضي شهبة بالتصريح ببراعة ابن حبيش بالتأريخ، فلعله يقصد علم رجال الحديث حتى يتفق كلامه مع آراء أهل العلم الآخرين (٢). وتظهر أهمية كتاب (الغزوات الضامنة) في اقتباسه من مصادر مفقودة في الردة والفتوح أهمها كتاب الردة للواقدي (ت ٢٠٧ هـ)، وكتاب يعقوب بن محمد الزهري (ت ٢١٣ هـ) وفتوح الشام لسعيد بن الفضل (توفي أواخر القرن الثاني الهجري) والردة والفتوح لسيف بن عمر التميمي (ت ١٧٠ هـ)، وكذلك تبدو إضافاته في نطاق الوثائق والمكاتبات والرسائل وفي نطاق الشعر الذي انفرد ببعضه، فهو مصدر بديل عن المصادر الأصلية المفقودة في الردة والفتوح، لكنه ينزل إلى مستوى المصادر الثانوية في بقية الموضوعات.