يعتبر كتاب البداية والنهاية لابن كثير موسوعة تاريخية شاملة أرخ فيها لبدء الخليقة وتاريخ الأنبياء وتاريخ العرب قبل الإسلام، كما أرخ للسيرة النبوية بتفصيل كبير معتمدًا على سيرة ابن هشام عن البكائي وعدد آخر من رواة السيرة عن ابن اسحق مثل يونس بن بكير (بواسطة البيهقي وابن عساكر) الذي له زيادات على سيرة ابن اسحق التي يرويها، ويحيي بن سعيد الأموي (بواسطة مغازي ابنه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي) وسلمة بن الفضل (بواسطة الطبري) (١). وبذلك تمكن ابن كثير من رسم صورة لأحداث السيرة النبوية أوسع نطاقًا من سيرة ابن هشام بالإضافة إلى ملحوظاته النقدية الهامة على أسانيد ومتون الروايات، مما يجعله في طليعة الآخذين بالمنهج النقدي التأريخي ..
وأما في عصر الراشدين فقد اعتمد في الأساس على تأريخ الطبري وأضاف إليه في مادة التراجم من تأريخ الإسلام للحافظ الذهبي وخاصة في الوفيات.
إن الأهمية الحقيقية لهذا المصدر التأريخي في تاريخ صدر الإسلام ترجع إلى سعة نطاقه وظهور بدايات النقد التأريخي فيه أكثر من حفظه لنصوص تأريخية أولية، فمصادر ابن كثير في هذه الفترة وما سبقها محدودة جدا وهي مطبوعة حيث اعتمد على تأريخ ابن عساكر ودلائل النبوة للبيهقي والطبري وابن هشام في نقل روايات قدامى الأخباريين والمحدثين مثل عروة بن الزبير والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن اسحق وأبي معشر السندي والواقدي وسليمان بن طرخان وعلي بن محمد المدائني وأبي مخنف وعوانة بن الحكم وخليفة بن خياط ومحمد بن سعد ويعقوب بن سفيان، وبذلك ينبغي أن يعد مصدرًا ثانويًا في دراسة بدء الخليقة وتاريخ الأنبياء
_________________
(١) شمس الله محمد صديق: منهج ابن كثير وموارده ٣٩٨.
[ ٢٨ ]
وعصر السيرة والراشدين حيث أن مصادره التي اعتمدها مطبوعة ولكنه يبقى مصدرًا بديلًا لما فقد وهو كتاب صفين لابن ديزيل وكتاب مغازي سعيد بن يحيى الأموي حيث يحتفظ ابن كثير بعدد من الروايات عن هذين الكتابين (٦٦ نصًا من مغازي سعيد الأموي).
أما في علم الرجال ونقد الأسانيد فقد اعتمد على كتاب له سماه (التكميل في الثقات والضعفاء والمجاهيل) وهو يعتمد فيه أساسًا على تهذيب الكمال لشيخه المزي، وميزان الاعتدال لشيخه الحافظ الذهبي، مع زيادات التقطها من مصادر أخرى.
ويحتمل أن الأحاديث التي أوردها في كتابه (البداية والنهاية) مقدمًا فيها مسند أحمد فالصحيحين ثم بقية مصادر الحديث اعتمد فيها على كتابه الضخم (جامع المسانيد) كما أحال على كتابه (الأحكام الكبرى) حيث فصل فيه النقد الحديثي.
ويبدو أن ابن كثير كان يصنف عدة كتب في وقت واحد يساعده على ذلك القدر الكبير المشترك بينها من الروايات. ولاشك أن مصادره المحدودة التي اطلع عليها زودته بمادة المصادر الأولية الوفيرة التي تربو على مائتي مصنف.