الجزية هي مقدار من المال يفرض على أهل الكتاب الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي كاليهود والنصارى ومن يلحق بهم ممن لهم شبهة كتاب كالمجوس.
وتؤخذ من البالغين من الرجال دون النساء والأطفال. وقد شرعها الله ﷾ في القرآن الكريم، وأخذها الرسول ﷺ في حياته، فلما توفي أخذها أبو بكر الصديق ﵁، وكانت أول جزية يقبضها من أهل نجران، وكانت ألفي حلة من حلل الأواقي، في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة، كل حلة أوقية من الفضة. فما زادت على الخراج أو نقصت عن الأواقي فبالحساب. وما قضوا من درع أو خيل، أو ركاب، أو عروض أخذ منهم بالحساب. وعلى نجران مئونة رسلي، ومنعتهم ما بين عشرين يومًا فما دون ذلك. وهذا هو الكتاب الذي صالح عليه رسول الله ﷺ أهل نجران، فلما توفي جدده لهم أبو بكر الصديق ﵁ (١).
ونتيجة لفتح مناطق من العراق والشام فقد فرضت عليها الجزية وقد ذكرت المصادر أرقامًا متباينة لمقدار الجزية على الحيرة تبدأ بألف درهم (٢) ثم ستين ألف
_________________
(١) الحديث في سنن أبي داود ٣: ٤٢٩، ٤٣٠، وأبو يوسف: الخراج ٧٢، ٧٣ نقلًا عن ابن اسحق، وأبو عبيد: الأموال ٢٠١، ٢٠٢، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٤٤٩ - ٤٥٠، وابن سعد: الطبقات ١: ٢٨٧ - ٢٨٨، والبلاذري: فتوح البلدان ٨٧ - ٨٨، والطبري: تأريخ ٣: ٣٢١ - ٣٢٢ بدون إسناد.
(٢) ابن أبي شيبة: المصنف بإسناد رجاله ثقات. وراجع بقية الأرقام في الخراج لأبي يوسف ١٤٣ عن ابن اسحق، وأبي عبيد: الأموال ٨٩، والبلاذري: فتوح البلدان ٣٤٣، ٣٤٠، والطبري
[ ١٨١ ]
درهم فسبعين فأربعة وثمانين ألف فتسعين ألف درهم فمائة ألف درهم فمائة وتسعين ألف درهم فأربعمائة ألف درهم عاجلة. ولم تفرض جزية محددة على كل رجل (١).
وهنا ينبغي الانتباه إلى احتمالات التصحيف بين (ستين) و(سبعين) و(تسعين) والى احتمال سقوط (ستين) قبل (ألف) وخاصة إذا كان النقل عن وثائق قديمة ليست معجمة، كما يرجع الاختلاف في مقادير الجزية إلى أن الحيرة انتقضت عدة مرات على المسلمين وأعيد فتحها بشروط جديدة، وهذا يفسر الاختلاف في مقدار الجزية المفروضة عليها.
وكانت الجزية المفروضة على الحيرة أول مال حمل إلى المدينة من العراق (٢) وفد صالح قرى السواد (بانقيا وباروسما وأليس ونهر المرأة) على مقادير من الجزية تعطي فكرة عن أعداد السكان في تلك القرى اختلفت المصادر في تحديدها وهي ما بين ألف درهم (أليس) وألف دينار (أليس) وعشرة آلاف دينار (٣) (بانقيا وباروسما) واثني عشر ألف درهم (٤) (نهر المرأة)، واختلاف المبالغ يرجع إلى تكرر الفتح بسبب انتقاض السكان على الفاتحين، مما أدى إلى تجدد عقود الصلح بشروط جديدة، وأما بقية قرى السواد فقد فتحت عنوة (٥)، وكان عليها أن تدفع
_________________
(١) : تأريخ ٣: ٣٤٤، ٣٤٥، ٣٦٢، ٣٦٤، والأزدي: فتوح الشام ٦٤.
(٢) يحيي بن آدم: الخراج ٥٣، والبيهقي: السنن الكبرى ٩: ١٣٤.
(٣) أبو يوسف: الخراج ١٤٤، ١٤٧، والبلاذري: فتوح البلدان ٣٤٠، والطبري: تأريخ ٣: ٣٤٥
(٤) الطبري: تأريخ ٣: ٣٦٧ من طريق سيف، ٣٧٥، ٦١٩ - ٦٢٠. وأبو عبيد: الأموال ٨٨، ٨٩ - ٩٠
(٥) خليفة: التأريخ ١١٨ عن المدائني.
(٦) يحيى بن آدم: الخراج ٥٢، وأبو عبيد: الأموال ٨٨، والبيهقي: السنن الكبرى ٩: ١٣٣ - ١٣٤.
[ ١٨٢ ]
جزية مشتركة بالتضامن بين أفرادها، ودون تحديد لما هو على الأرض وما هو على الرأس، وكان اصطلاح الخراج يطلق على الجزية حتى اصطلح عمر على إطلاقه على الأرض. ويوضح صلح الحيرة أن الجزية لم تؤخذ من القسيسين والرهبان والزمنى- أصحاب العاهات والأمراض الدائمة- والشيوخ والعاجزين والفقراء الذين يعيشون على الصدقات (١)، وكان سكان المدينة يجمعون الجزية بينهم ويسلمونها لعمال المسلمين (٢). وبقيت الأراضي بيد أصحابها القدامى (٣).
ولم تذكر المصادر مقادير الجزية التي فرضت على قرى أخرى صالحت خالد بن الوليد وهي البوازيج وأهل كلواذي وعين الثمر والقادسية وقرقيسيا وصندوديا. ويبدو أن المناطق المفتوحة عنوة عوملت معاملة المناطق المصالحة تخفيفًا على سكان المناطق المفتوحة (٤). هذا بالنسبة للجزية المفروضة على مدن وقرى المناطق المفتوحة من العراق في خلافة أبي بكر ﵁ ومعظمها غربي نهر الفرات، أما الشام فالمعلومات التي توردها المصادر عن جزية المناطق المفتوحة شحيحة فضلًا عن ضيق مساحة المنطقة المفتوحة في خلافة أبي بكر، ولكن ثمة تحديد لمقادير الجزية التي فرضت على مآب وبصرى وهي: "على كل حالم دينار وجريب حنطة في كل عام" (٥)، ولا نعلم مقادير الجزية التي فرضت على
_________________
(١) أبو يوسف: الخراج ١١٤ عن ابن اسحق، والطبري: تأريخ ٣: ٣٦٤ عن سيف
(٢) الطبري: تأريخ ٣: ٣٦٩ عن سيف.
(٣) الدوري: نظام الضرائب في صدر الإسلام ص ٥١.
(٤) البلاذري: فتوح البلدان ٣٤٧، والبيهقي: السنن الكبرى ٩: ١٣٤.
(٥) البلاذري: فتوح البلدان ١٥٥، والطبري: تأريخ ٣: ٤١٨، وقدامة بن جعفر: الخراج ٢٨٨.
[ ١٨٣ ]
قرى أرك وتدمر وحوَّارين وقصم وعانات التي صالحت المسلمين (١)، ولعلها تماثل جزية بصرى ومآب، ولعل فرض الجزية نقدًا وعينًا للتخفيف عن الفلاحين الذين قد لا يحوزون الدنانير الذهبية البيزنطية التي يتم التعامل بها في بلاد الشام، وربما قصد بالإجراء توفير المؤن للجيش الإسلامي.