تم فتح العراق والشام وإيران ومصر في خلافة عمر ﵁ وتوطد سلطان الإسلام في بلاد العرب جميعًا، ودخل الكثيرون من سكان المناطق المفتوحة في الإسلام، وحافظ آخرون على دياناتهم اليهودية والنصرانية والمجوسية، وقد دفعوا الجزية للدولة الإسلامية، حسب ما ورد في القرآن والسنة من أخذها من أهل الكتاب (٢)، وأما المجوس فقد شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر (٣) - أكبر مدن البحرين يومئذ- فعامل عمر رضى الله
_________________
(١) الأزدي: فتوح الشام ٧٧، ٧٨، ٧٩، ٨٠. والطبري: تأريخ ٣: ٤٠٧ عن المدائني، وأبو يوسف: الخراج ١٤٦ عن ابن اسحق.
(٢) قال تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) - التوبة ٢٩. وأما السنة: فقد أوصى النبي ﷺ أمير الجيش بقوله: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم، وكفَّ عنهم، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم".- مسلم: الصحيح ٣: ١٣٥٧، وأبو داؤد: السنن ٣: ٣٧ حديث رقم ٢٦١٢.
(٣) البخاري: الصحيح ٢: ٢٠٠، وأبو داؤد: السنن ٣: ١٦٨، والترمذي: السنن ٣: ٧٣.
[ ١٨٤ ]
عنه مجوس إيران والسواد وفق هذه السنة (١). وتشير آثار ضعيفة إلى أن عمر رفض قبول الجزية من نصارى العرب (٢)، ولكنها لا تقوى على تخصيص أخذ الجزية من عموم أهل الكتاب عربًا وأعاجمًا لعموم الآيات والأحاديث في ذلك (٣). ومن هذه الآثار الضعيفة أيضًا خبر إعفاء نصارى تغلب من الجزية مقابل تضعيف الصدقة عليهم لئلا يلحقوا بالروم الذين يجاورونهم (٤). ويدل أثر ضعيف على أن عمر ﵁ قبل الجزية من نصارى نجران وهم عرب قبل إجلائهم إلى الشام والعراق وبعده، ويعلل إجلاءهم لتعاملهم بالربا خلافًا لشروط الصلح النبوية (٥).
تتسم سياسة عمر ﵁ في فرض الجزية بالعدل والتسامح ومراعاة
_________________
(١) عبد الرزاق: المصنف ٦: ٦٨، وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٣٠، وابن زنجويه: الأموال ١: ١٣٦ بإسناد صحيح إلى عمر (رض). وأما حديث: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فهو ضعيف لانقطاعه. (مالك: الموطأ ١: ٢٧٨ رقم ٤٢، وابن حجر: فتح الباري ٦: ٢٦١).
(٢) البيهقي: السنن ٩: ٢١٦ بسند ضعيف.
(٣) عبد السلام محسن آل عيسى: النواحي المالية في خلافة عمر بن الخطاب- دراسة نقدية للأسانيد ٥٣:١.
(٤) عبد الرزاق: المصنف ٦: ٥٠، ٩٩ و١٠: ٣٦٧، وابن زنجويه: الأموال ١: ١٣٠، ١٣١، والبيهقي: السنن ٩: ٢١٦ بإسناد فيه راوٍ مجهول وآخر مقبول. وأما روايات البلاذري عن طريق الكلبي والواقدي وابن أبي سبرة وعبد الملك بن نوفل فتالفة (فتوح ١٨٥، ١٨٧.
(٥) أبو داؤد: السنن ٣: ١٦٧ بإسناد ضعيف فيه يونس بن بكير يخطئ، وأسباط بن نصر كثير الخطأ يأتي بالغرائب، والسدي يهم، ولا تقويه الروايات الواهية التي نجدها في طبقات ابن سعد ١: ٢٨٢، ٢٨٧، ٢٨٨، وفي الأموال لابن زنجويه ٢: ٤٤٩، ٤٥١.
[ ١٨٥ ]
أحوال الناس، فقد أعفى منها النساء والصبيان غير البالغين (١) والرجال غير القادرين وزاد الجزية على أهل الشام أكثر من أهل اليمن مراعيًا غنى بلاد الشام بالنسبة لليمن (٢)، وزاد الجزية على أهل العراق بعد أن سأل عامله عثمان بن حنيف عن قدرتهم المالية، وتأكد من عدم الإضرار بهم. فقال لعثمان بن حنيف: "لئن زدت على كل رأس درهمين، وعلى كل جريب من الأرض درهمًا وقفيزًا من طعام لا يضرهم ذلك ولا يجهدهم؟ " قال: نعم. قال: فكان على كل رأس ثمانية وأربعون فجعلها خمسين (٣).
ولم يكتف عمر بتنفيذ سياسة عادلة، بل أوصى الخليفة من بعده "بأهل الذمة خيرًا أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم" (٤). وقد بلغ عدد دافعي الجزية الذين سجلهم عثمان بن حنيف خمسمائة وخمسين ألف رجل (٠٠٠و (٥٥٠) رجل) فلعل سكان السواد كانوا يبلغون آنذاك خمسة ملايين نسمة (٥).
_________________
(١) - عبد الرزاق: المصنف ٦: ٨٥، ٨٦، ٨٧، ٨٨. وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٢٨٦. وابن زنجويه: الأموال ١: ١٥١. ١٥٧، ١٥٨. والبيهقي: السنن ٩: ١٩٥، ١٩٦ بإسناد صحيح
(٢) - هذا تعليل مجاهد بن جبر المكي ولد سنة ٢١ هـ آخر خلافة عمر ﵁. (ابن حجر: تقريب التهذيب ٢: ٢٢٩ والأثر في صحيح البخاري معلقًا ٢: ٢٠٠، وعبد الرزاق: المصنف ٦: ٨٧، ٨٨. وانظر إرواء الغليل للألباني ٥: ١٠١).
(٣) - ابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٣٦، وابن زنجويه: الأموال: ١٦٠، ٢١٦، ٢١٧، والبيهقي: السنن ٩: ١٩٦ بإسناد صحيح.
(٤) - البخاري: الصحيح ٢: ١٧٨، ٢٩٧ - ٢٩٨. وعبد الرزاق: المصنف ١١: ١٠٩. والبيهقي: السنن ٢٠٦:٩.
(٥) البلاذري: فتوح البلدان ٣٣٢. على فرض أن النساء في حدود المليون وأن الأطفال والصبيان
[ ١٨٦ ]
ومع ذلك فقد حدثت تجاوزات على أهل الذمة في بعض الأمصار في خلافة عمر ﵁ دون علمه، فقد وضع عامل فلسطين عمير بن سعد الأنصاري المشهور بزهده ناسًا من النَّبط في الشمس لعدم دفعهم الجزية، فذكر له الصحابي هشام بن حكيم حديث النبي ﷺ: "إن الذي يعذب الناس في الدنيا يعذبه الله في الآخرة"، فخلَّى سبيلهم (١).
وكان عمر ﵁ يفرض الجزية على الرقيق، وعلل ابن قدامة المقدسي فعله بأن "العبد ذكر مكلف قوي مكتسب فوجبت عليه الجزية" ومما يدل على رأي عمر ﵁ هذا قوله: "لا تشتروا رقيق أهل الذمة فإنهم أهل خراج وأرضيهم فلا تبتاعوها، ولا يقرَّنَّ أحدكم بالصغار بعد إذ نجاه الله منه" (٢).
وتسقط الجزية عن دافعها في حالة إسلامه (٣)، كما تسقط في حالة عجزه لأنه لا يكلف مالا يطيق. ويلاحظ أن دافع الجزية لا يدفع الزكاة من أمواله لأن الزكاة فريضة دينية وفي أدائها معنى تعبدي، رغم أن وظيفتها اجتماعية.
كما أن دافع الجزية لا يشترك في الجيش الإسلامي، لأن هدف الجيش
_________________
(١) في حدود ثلاثة ملايين ونصف بمعدل ستة أطفال للعائلة ..
(٢) مسلم: الصحيح مع النووي ١٦: ١٦٧، ١٦٨.
(٣) عبد الرزاق: المصنف ٦: ٤٥، ٤٧ و١٠: ٣٣٠، ٣٣٧. وابن زنجويه: الأموال ١: ٢٣٣، ٢٣٤، والبيهقي: السنن ٩: ١٤٠ وتتضافر أسانيد الخبر الضعيفة لتبلغ به درجة الحسن لغيره. وانظر ابن قدامة: المغني ١٠: ٥٩٧.
(٤) لا شك في أن الإسلام مسقط للجزية، وقد وردت روايات ضعيفة عن إسقاط عمر (رض) الجزية عمن أسلم وهي تتضافر في إثبات تطبيق هذا المبدأ (أبو عبيد: الأموال ٥٢، وابن زنجويه: الأموال ١: ١٧٣، وعبد الرزاق: المصنف ٦: ١٤، ١٠: ٣٣٦، وابن أبي شيبة: المصنف ٤: ٤٠٥، ٦: ٤٦٣، ٤٦٤ وكلها بأسانيد ضعيفة لكنها تتضافر لترفع الأثر إلى الحسن).
[ ١٨٧ ]
الإسلامي الجهاد، وهو فريضة دينية لإعلاء كلمة الله، فلا يجب على غير المسلم، رغم أن فائدة الحماية التي يحققها الجيش تتعدى المسلمين إلى جميع سكان الدولة، وأن مكاسب الفتح تعود بالفائدة على الجميع لما تفتح من أسواق جديدة، وتحقق من عوائد للدولة تمكنها من الإنفاق على الخدمات المتنوعة من تعمير المدن وبناء الأسواق وتمهيد الطرق ..
وقد تفاوت مقدار الجزية بين الأمصار المفتوحة حسب غناها، مما يوضح مراعاة عمر لمبدأ عدم التكليف لهم بما لا يطيقون، ففرض على أهل السواد- جنوب العراق- جزية سنوية قدرها ثمانية وأربعين درهمًا فضيًا (ما يعادل أربعة دنانير ذهبية) على الغني، وأربعة وعشرين درهمًا على متوسط الحال، واثني عشر درهمًا على الفقير (١). ثم زاد درهمين على الأغنياء فصارت جزيتهم خمسين درهمًا (٢)، هذا بالإضافة إلى فرض خمسة عشر صاعًا من القمح وضيافة المسلمين ثلاثة أيام، يطعمونهم مما يأكلون مما يحل للمسلم من طعامهم (٣). وصح أيضًا أن الضيافة
_________________
(١) - أبو عبيد: الأموال ٤٤، ٤٥، ٤٦ بإسناد فيه تدليس السبيعي. وابن زنجويه: الأموال ١: ١٥٩ - ١٦٠، ١٩٥ بإسناد فيه مندل بن علي وهو ضعيف. وابن سعد: الطبقات ٣: ٢٨٠، ٢٨٢ ويترجح عندي أنه روى عن شيخه عارم بن الفضل السدوسي قبل اختلاط الأخير، فروايته عنه في كتاب الطبقات واسعة، ولعلها من كتاب صنفه عارم. وتتضافر الأسانيد الثلاثة لترقى بالخبر إلى درجة الحسن. وشهود العيان ثلاثة هم: المغيرة بن شعبة- صحابي- وحارثة بن المضرب وأبو نضرة العبدي- تابعيان يرويان عن عمر-.
(٢) - ابن زنجويه: الأموال ١: ١٦٠، ٢١٦ وإسناده صحيح، وشاهد العيان هو عمرو بن ميمون.
(٣) - مالك: الموطأ ١: ٢٦٤، وعبد الرزاق: المصنف ٦: ٨٥، ٨٦، ٨٨، وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٢٩، وابن زنجويه: الأموال ١: ١٥٦، ٣٣١ والبلاذري: فتوح البلدان ١٣١، والبيهقي: السنن ٩: ١٩٥، ١٩٦ وهو اثر صحيح. وأما ما ورد عند عبد الرزاق:
[ ١٨٨ ]
المشروطة عليهم يوم وليلة، فمن حبسه مرض أو مطر أنفق من ماله (١). ولم يثبت أنه اشترط على سكان المناطق المفتوحة إصلاح القناطر (٢).
وتدل بعض الروايات على المرونة في تحصيل الجزية من دافعيها، فقد أخذت من الإبل أحيانًا (٣)، ولم يقبل عمر ﵁ في الجزية أخذ الخمر والخنزير، ولكنه أمر عماله بتوكيل أصحابها لبيعها لأهل دينهم وقبض ثمنها (٤).
وقد فرض على مدن الجزيرة الفراتية (الرقة والرها وحران وسميساط وموزن وقرقيسيا) أربعة دنانير ذهبًا ومدين من البر وأربعة أقساط من الزيت وشيئًا من الودك والعسل على كل رجل (٥). (وهذه المواد العينية تساوي حوالي كيلو غرام- (٠٨٨) و١ غم- قمح، وكيلو غرامين زيت، ويبدو أن الودك- السمن- أقل من كيلو غرام).
وأما أهل الشام ففرضت عليهم الجزية مثل هذه الجزيرة مع ضيافة المسلمين
_________________
(١) المصنف ٦: ٨٦ "خمسة عشر قفيزًا" بدل "خمسة عشر صاعًا" فهو شاذ مخالف لروايات الثقات، مع العلم أن القفيز يساوي ٠٣٣و١٢ صاعًا مما يتعذر معه الجمع بين الأثرين، ويجعل الجزية من المواد العينية عالية القيمة .. بينما هي تبع للجزية النقدية.
(٢) ابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٥١٩، وابن زنجويه: الأموال ١: ٣٠٧ وعرف الرجل في الإسناد بأنه صحابي (١: ٣٧٢)، والبيهقي: السنن ٩: ١٩٦. والأثر صحيح لأن الأعمش صرَّح بالسماع، والمبهم صحابي لا تضر جهالته.
(٣) أبو عبيد: الأموال ١٦٠، والبيهقي: السنن ٩: ١٩٦ بإسناد ضعيف فيه عنعنة قتادة السدوسي وهو مدلس. وقد انفرد بهذه الزيادة.
(٤) مالك: الموطأ برواية الشيباني ١١٧، وابن زنجويه: الأموال ١: ١٦٨، ٢: ٥٦٢ والأثر حسن، وأحمد: الزهد ١٤٥، والبيهقي: السنن ٧: ٣٥ والأثر صحيح.
(٥) أبو عبيد: الأموال ٥٤، ٥٥، وابن زنجويه: الأموال ١: ٧٩، ٢٧١ والأثر صحيح.
(٦) ابن زنجويه: الأموال ١: ١٥٧، ١٥٨ بإسناد صحيح. والبلاذري: فتوح البلدان ١٣١، ١٥٧
[ ١٨٩ ]
ثلاثة أيام يطعمونهم مما يأكلون مما يحل للمسلمين من طعامهم، فلما قدم عمر الشام شكوا إليه "أنهم يكلفونا الدجاج والشاء، فقال عمر: لا تطعمونهم إلا مما تأكلون، مما يحل لهم من طعامكم" (١). وكذلك فرض عليهم الكسوة، وهي ملابس كان-عمر ﵁ يكسوها للناس (٢)، ولم تحدد المصادر عددها، ويبدو أنها فرضت على أهل الشام ومصر لكثرة المنسوجات في البلدين.
وأما اليمن فقد خضعت للإسلام في عهد النبوة، وفرضت الجزية على كل رجل دينار أو عدله معافر (٣)، وتشير روايات ضعيفة إلى بقاء هذه الجزية على أهل
_________________
(١) بإسناد حسن لكنه يذكر "ثلاثة أقساط زيت".
(٢) مالك: الموطأ ١: ١٦٤، وعبد الرزاق: المصنف ٦: ٨٥ - ٨٨ و١٠: ٣٢٨، ٣٢٩، ٣٣١، وابن زنجويه: الأموال ١: ١٥٦، ١٥٧، ١٥٨، ٣٦٨، والبلاذري: فتوح البلدان ٩، ١٩٥، ١٩٦.
(٣) عبد الرزاق: المصنف ٦: ٨٨ و١٠: ٣٢٩، وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٢٩، وابن زنجويه: الأموال ١: ١٥٧، ١٥٨، والبلاذري: فتوح البلدان ١٣١، والبيهقي: السنن ٩: ١٩٥، ١٩٦.
(٤) أقوى ما ورد في جزية نصارى اليمن حديث معاذ بن جبل: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فأمرني أن آخذ من كل ومن كل حالم دينارًا أو عدله معافر". (أخرجه النسائي: ٥: ١٧، والدارمي ١: ٣٢٠، والبيهقي ٩: ١٩٣)، وعن الأعمش وغيره عن أبي وائل شقيق بن سلمة (انظر: الأموال ١: ١٢٦). والحديث حسنه الترمذي، وصححه الحاكم والذهبي على شرطهما، وصححه ابن عبد البر وابن حزم، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على الخراج
[ ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ليحيى بن آدم ١١٢. وله شواهد منها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفي إسناده المثنى بن الصباح ضعيف اختلط بأخرة: "كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن أن يؤخذ من أهل الكتاب من كل محتلم دينار". ويوجد مرسلان عن الحسن وعروة يقويان ببعضهما وبالشواهد ونصهما: "على كل حالم من ذكر أو أنثي حر أو عبد دينار واف أو قيمته من المعافر في كل عام". ووجه الشاهد على كل حالم ذكر .. وأما بقية الكلام عن الأنثى والعبد فلا (الأموال ١: ١٢٨). ويوجد مرسل الحكم بإسناد إليه صحيح نصه "وفي الحالم والحالمة دينار أو عدله من المعافر". (الأموال ١: ١٢٩). أخلص إلى القول بأن ما ثبت هو فرض جزية على البالغين من الذكور قدرها دينار واحد أو عدله معافر، والله أعلم.
[ ١٩١ ]
اليمن دون تغيير في خلافة عمر (١). ورغم ضعفها فإنها تتفق مع سياسة عمر في مراعاة أحوال الرعية، وعدم تغيير الإجراءات النبوية.
وكانت مقادير الجزية على أهل مصر مثل أهل الشام، مع زيادة يسيرة في القمح تبلغ صاعًا إضافيًا، ولم يذكر أنهم يدفعون الودك- السمن- فلعل ذلك أسقط مقابل زيادة القمح (٢).
وتذكر رواية واهية السند بأن عدد دافعي الجزية بمصر بلغ ستة ملايين رجلًا كانوا يدفعون اثني عشر مليون دينار كل سنة (٣)، وهذا يتعارض مع ما ثبت من كون الرجل يدفع أربعة دنانير جزيةً.
ولم تصح أية رواية فيما يتعلق بجزية أهل برقة (في ليبيا) وزويلة (في حدود السودان)، فلعلها عوملت مثل مصر، وتذكر رواية ضعيفة أن عمرو بن العاص صالح برقة على جزية قدرها ثلاثة عشر ألف دينار (٤).
_________________
(١) والمعافر: حي من همدان تنسب إليها الثياب المعافرية.
(٢) عبد الرزاق: المصنف ٦: ٨٩ بإسناد ضعيف.
(٣) عبد الرزاق: المصنف ٦: ٨٥، ٨٦، ٨٨ و١٠: ٣٢٨، ٣٢٩، ٣٣١. وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٢٩، وابن زنجويه: الأموال ١: ١٥٧، والبلاذري: فتوح البلدان ١٣١، والبيهقي: السنن ٩: ١٩٥، ١٩٦ والأثر صحيح. ولاحظ أن الأردبَّ يساوي ٤٦ و٣٠ كيلو غرامًا.
(٤) ابن عبد الحكم: فتح مصر ٦٤ - ٧٠ بإسناد واهٍ فيه خالد بن نجيح المصري كذاب وفيه رواة مجاهيل.
(٥) خليفة: التأريخ ١٤٤، وابن عبد الحكم: فتوح مصر ١٧٠، والبلاذري: فتوح البلدان ٢٢٥، ٢٢٦ ويلاحظ أن هذه الرواية الضعيفة تذكر أيضًا أنهم خيروا أن يبيعوا في جزيتهم من أبنائهم من أحبوا بيعه، وهذا مخالف للقاعدة العمرية في أن لا يكلفوا من الجزية مالا يطيقون، بل هي
[ ١٩٢ ]
كما لم تصح الروايات في مقدار الجزية التي فرضت على بلاد إيران، ولكن تتضافر الروايات الضعيفة على الإقرار بالأخذ بمبدأ الرفق بالرعية وعدم تكليفهم مالا يطيقون (١). كما ذكر بعضها أن جزية أذربيجان بلغت ثمانمائة ألف درهم، والأهواز مليونين وثمانمائة وتسعين ألف درهم (٠٠٠ و(٨٩٠) و٢ درهم) (٢).
ولا نعرف على وجه الدقة عوائد الجزية على بيت المال في خلافة عمر ﵁، ولكن الفقيه أبا يوسف ذكر أن جباية السواد وحده من الجزية والخراج بلغت في خلافة عمر مائة ألف ألف درهم (٠٠٠و (٠٠٠) و١٠٠ درهم) (٣)، في حين ذكر اليعقوبي- وتابعه الماوردي- أنها بلغت مائة وعشرين ألف ألف درهم (٠٠٠و (٠٠٠) و١٢٠ درهم) وذكر ابن خرداذبة أنها بلغت مائة وثمانية وعشرين ألف ألف درهم (٠٠٠و (٠٠٠) و١٢٨ درهم) فلعل الأرقام تشير إلى واردات سنين مختلفة يزيد فيها الوارد وينقص حسب المواسم الزراعية التي تتأثر بالأمطار وبطرق الري ثم بسلامة نظم الجباية.
وثمة ظاهرة في أواخر خلافة عمر ﵁ تتمثل في فرض جباية محددة على بعض المناطق المفتوحة في المشرق تدفع بالتضامن بين أبناء الإقليم أو المدينة وتجمعها السلطات المحلية وتشمل على الجزية والخراج معًا، فقد صالحت
_________________
(١) تسقط عنهم إذا عجزوا عن أدائها، فكيف يكلفون بيع أولادهم فيها؟!
(٢) - خليفة: التأريخ ١٣٤، والبلاذري: فتوح البلدان ٣٠٣ - ٣٠٦، ٣٢٣، والطبري: تأريخ ٢: ٥٢٠، ٥٣٠، ٥٣٢، ٥٣٧، ٥٣٨، ٥٣٩، ٥٤٣، ٥٤٤ من طريق سيف بن عمر وهو أخباري كبير وهاه المحدثون في رواية الحديث واعترف أهل الاستقراء من متأخريهم كالذهبي بمكانته في علم التأريخ.
(٣) خليفة: التأريخ ١٣٤، والبلاذري: فتوح البلدان ٣٢٣.
(٤) البلاذري: فتوح البلدان ٣٠٦، ٣١٤ - ٣١٥، ٣٢١ - ٣٢٣.
[ ١٩٣ ]
همذان على أن تؤدي "خراج أرضهم وجزية رؤوسهم مائة ألف درهم للمسلمين" وصالحت الري وقومس على خمسمائة ألف درهم يؤدونها من جزيتهم وخراجهم، وصالحت أذربيجان على ثمانمائة ألف درهم (١).