نشطت التجارة بعد إعادة توحيد الجزيرة العربية في خلافة الصديق ﵁ والقضاء على حركة الردة، فحل الأمن والاستقرار، واطمأن الناس على أموالهم التي تحميها التشريعات الإسلامية من الظلم والاغتصاب، وتؤمن لها حرية التجارة والنمو والازدهار.
وعمل في التجارة كبار الصحابة، وكان الخلفاء الراشدون الثلاثة الأوائل تجارًا .. فكانت معرفتهم بالمعاملات التجارية تيسر الأعمال التجارية وتشجع على جلب البضائع وتفض المنازعات بوعي وإدراك للمصالح الاقتصادية للدولة والأمة.
وقد ظهرت الرقابة على الأسواق في عهد النبوة لمنع وقوع الغش في البضائع (٢). ولاشك أن هذه الرقابة استمرت في خلافة أبي بكر ﵁، ولكن التوسع الكبير في التجارة وتنظيم الأسواق أدى إلى الحاجة للرقابة الشاملة على التجارة والأسواق. وكثيرًا ما تجول عمر ﵁ بنفسه في الأسواق واطلع على أساليب التعامل، ومنع المخالفات الشرعية، سواء بالغش في السلع، أو بيع سلعة محرمة، أو الإضرار بالآخرين من الباعة بعدم التزام سعر السوق، أو احتكار البضائع، أو القيام بالسمسرة بتلقي البدو وشراء ما معهم دون أن يعلموا سعر السوق، أو القيام بالبيع قبل أن تكون السلعة بيد البائع ؟ وهذه الإجراءات كلها تطبيق للسنة النبوية.
وقد ثبت أن عمر ﵁ اطلع على بيت رويشد الثقفي، وكان فيه
_________________
(١) صالح العلي: التنظيمات ١١٢.
(٢) صحيح سنن الترمذي للألباني ٢: ٣٢.
[ ١٤٨ ]
حانوت لبيع الخمر، فأمر بإحراقه فأحرق (١). وباع سمرة بن جندب خمرًا فغضب عليه غضبا شديدًا (٢).
ومرَّ بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبًا له بالسوق بأقل من سعر السوق فقال له: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا (٣).
كما نهى طلحة بن عبيد الله من صرف ورق بذهب دون تسلم وتسليم مباشرةً وكان طلحة طلب من صاحب الورق مهلة يسيرة "حتى يأتينا خازننا من الغابة" (٤) - أطراف المدينة-.
وكان ينهى عن الاحتكار "لا يبيع في سوقنا محتكر" (٥).
وينهى من لا يعرف أحكام التبايع عن العمل في السوق (٦).
_________________
(١) ابن زنجويه: الأموال ٢: ٢٧١ - ٢٧٢ والأثر صحيح.
(٢) البخاري: الصحيح ٢: ٢٧، ومسلم: الصحيح بشرح النووي ١١: ٧.
(٣) مالك: الموطأ ٢: ١٤٨، وعبد الرزاق: المصنف ٨: ٢٠٦ - ٢٠٨، وعمر بن شبة: تأريخ المدينة ٢: ٧٤٩ - ٧٥٠، والبيهقي: السنن الكبرى ٦: ٢٩ والأثر صحيح. وفي رواية ضعيفة أنه أمر بائع زيت بذلك أيضا (ابن شبة: تأريخ المدينة ٢: ٧٤٩).
(٤) البخاري: الصحيح (مع حاشية السندي) ٢: ٢٠ - ٢١، ومسلم: الصحيح (بشرح النووي) ١١: ١٢.
(٥) مالك: الموطأ ٢: ١٤٨، وعبد الرزاق: المصنف ٨: ٢٠٦، وابن شبة: تأريخ المدينة ٢: ٧٤٨ - ٧٤٩ ويعتضد بطرقه إلى الحسن. ووردت روايات أخرى ضعيفة في نهيه عن الاحتكار (أحمد: المسند ١: ٢١، وابن ماجة: السنن ٢: ٢١٥٥، والبيهقي: دلائل النبوة ٦: ٢٤٦ والأزرقي: أخبار مكة ٢: ١٣٥، وابن أبي شيبة: المصنف ٤: ٣٤٧، ٣٨٦).
(٦) الترمذي: السنن ١: ٣٠٣ - ٣٠٤، وعبد الرزاق: المصنف ٤: ٤٨٣، وابن أبي شيبة:
[ ١٤٩ ]