محمد بن جرير (٢٢٤ - ٣١٠ هـ)، إمام في التفسير والفقه والتأريخ،
اشتهر بكتابيه في التفسير والتأريخ وكلاهما موسوعة كبيرة في فنه، ويهمنا معرفة
أهمية تأريخه في دراسة عصر الخلافة الراشدة، فهو أوسع المصادر في ذكر أخبار
ذلك العصر، فقد اعتمد على كتب الإخباريين الذين صنفوا كتبًا في الأحداث
المتنوعة التي شهدها عصر الخلافة الراشدة. فقد اعتمد في الردة على كتاب (الردة)
لسيف بن عمر التميمي (ت ١٧٠ هـ) الذي عرف بميوله القبلية (تميم) والعراقية
_________________
(١) منهم الخطيب البغدادي وابن تيمية والذهبي (تاريخ بغداد ١٠: ١٧٠ - ١٧١، وتذكرة الحفاظ ٢: ٦٣٣، وسير أعلام النبلاء ١٣: ٢٩٦ - ٣٠٢).
(٢) شاكر مصطفى: التأريخ العربي والمؤرخون ١: ٢٤٠، والدوري: نشأة علم التأريخ عند العرب ١٣٦.
(٣) شاكر مصطفى: التأريخ العربي والمؤرخون ١: ٢٤٠.
[ ٢٠ ]
ولم يحظ بتوثيق أحد من المحدثين، فهو متروك الرواية عندهم، ولكنه احتفظ بتقدير المؤرخين لقدرته على رسم صور الأحداث ببراعة واتساق، ولتقديمه تفصيلات واسعة ينفرد بها أحيانًا كثيرة. واعتمد في الفتوح على كتاب (الفتوح) لسيف بن عمر التميمي أيضًا إلى جانب كتابين في فتوح الشام والعراق لأبي مخنف لوط بن يحيى (ت ١٥٧ هـ) - وهو كوفي ميوله الشيعية قوية- بالإضافة إلى كتب علي بن محمد المدائني وسيف بن عمر وعمر بن شبة، وأما في فتنة مقتل عثمان ﵁ فاعتمد على كتب الواقدي وأكملها برواية سيف بن عمر، وعمر بن شبة، وابن اسحق (١). وأما موقعة الجمل وصفين فاعتمد فيهما على كتب علي بن محمد المدائني (ت ٢٢٥ هـ) الذي عرف بشيخ الأخباريين، وألف كتبًا كثيرة في موضوعات عصر الراشدين وغيرها. ورواياته معتدلة وأقرب إلى الاستقامة- على الأغلب-، وكذلك اعتمد على كتاب صفين لأبي مخنف لوط بن يحيى، وبدرجة يسيرة على كتاب (صفين) لنصر بن مزاحم (ت ٢١٢ هـ) وهو كوفي شيعي الميول انتقده علماء الحديث بشدة إما بسبب معتقده أو بسبب ضعف ضبطه أو للسببين معًا (٢). واعتمد في قوائم أمراء الحج وولاة الأقاليم وأخبار المرابطين والغزاة على أبي معشر السندي والواقدي (٣). وأفاد من كتاب (تأريخ الخلفاء) لمحمد بن اسحق (ت ١٥١ هـ) وتأريخ ابن أبي خيثمة (ت ٢٧٩ هـ) والتأريخ على السنين للهيثم بن عدي (ت ٢٠٦ هـ) وكتب محمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) وابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) صاحب الطبقات الكبرى في أخبار عصر الخلافة الراشدة.
ولم يصرح الطبري بأسماء الكتب التي ينقل عنها مكتفيًا بذكر أسماء
_________________
(١) السلمي: منهج كتابة التأريخ الإسلامي ٤٤٤.
(٢) الذهبي: ميزان الاعتدال ٤: ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٣) السلمي: منهج كتابة التأريخ الإسلامي ٤٤٥.
[ ٢١ ]
المؤلفين لها ولكن يعرف ذلك من خلال تراجمهم وطبيعة محتويات رواياتهم. ويذكر الطبري روايات تأريخه بالأسانيد، ورغم أنه ينتقيها من كتب الأخباريين لكنه لم يحاول استخلاص الروايات الموثقة، بل ترك للقارئ حرية النقد والترجيح مكتفيًا بالعزو إلى مصادره التي نفد معظمها، وبذلك حفظ لنا مادة تأريخية واسعة تحتاج دراستها إلى موازين نقدية واضحة قبل اعتمادها في التحليل والتعليل، لأنها تمثل مدارس فكرية وسياسية متنوعة، فلا غرابة إذا تضاربت آراؤها ورواياتها في الأحداث. وقد أطال في تراجم الخلفاء الراشدين وبسط أحداث الردة والفتوح والفتن مما جعله أوسع المصادر لعصر الخلافة الراشدة وخاصة في جوانب الحياة السياسية والنشاط العسكري.