عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة (١) ولد بمكة بعد عام الفيل بعامين وأشهر (٢). وصفه رسول الله ﷺ بأنه "عتيق من النار" فغلب عليه اسم "العتيق" (٣)، وقيل إنما سمي بذلك لجمال وجهه (٤)، وقيل أيضًا: إنه ما كان يعيش لأمه ولد، فاستقبلت البيت العتيق وقالت: إن هذا عتيق من الموت فهبه لي (٥). ووصفه بالصديق عقب حادثة الإسراء والمعراج إذ صدقه حين كذبه المشركون (٦).
وكان أبيض البشرة، نحيف الجسم، معروق الوجه، قليل الشعر في صفحتي خديه، غائر العينين، بارز الجبهة (٧)، جعد الشعر (٨)، وكان يخضب
_________________
(١) أبو نعيم: معرفة الصحابة ١: ١٤٩، وابن حجر: الإصابة ٤: ١٦٩.
(٢) أبو نعيم: معرفة الصحابة حديث رقم ٨٩.
(٣) أبو نعيم: معرفة الصحابة ١: ١٥٢ حديث رقم ٦١، وأخرجه ابن حبان في صحيحه بإسناد صحيح (موارد الظمآن ٥٣٢)، والطبراني: المعجم الكبير ١: ٥.
(٤) الطبراني: المعجم الكبير ١: ٥، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٩: ٤١) وأبو نعيم: معرفة الصحابة حديث رقم ٦٣ بإسناد حسن.
(٥) أبو نعيم: معرفة الصحابة ١: ١٥٣ - ١٥٤، والسيوطي: تاريخ الخلفاء ٢٩.
(٦) الحاكم: المستدرك ٣: ٦٢، ٦٣ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
(٧) الطبراني: المعجم الكبير ١: ٩، وأبو نعيم: معرفة الصحابة ١: ١٦٥ وفيه راوٍ مجهول وبقية رجال السند ثقات.
(٨) الذهبي: تاريخ الإسلام- عهد الخلفاء الراشدين- ١٠٦.
[ ٧١ ]
شيبه بالحناء والكتم (١).
وقد اشتهر في الجاهلية بحميد الأخلاق، وحسن المعاشرة، وامتناعه عن شرب الخمر، وعلمه بأنساب العرب وأخبارها.
واشتهر في الإسلام بسابقته إلى الدين، وجهوده الكبيرة في الدعوة إليه حيث أسلم على يده عدد من كبار الصحابة هم عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله.
وقد صحب النبي ﷺ في هجرته إلى المدينة فنزلت الآية الكريمة: (ثاني اثنين إذ هما في الغار) (٢). وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ (٣). وكان يتاجر بالثياب وبلغ رأس ماله حين أسلم أربعين ألف درهم، أنفقها على مصالح الدعوة الإسلامية، وخاصة في عتق رقاب المستضعفين الأرقاء من المسلمين، وحمل بقيتها وهي خمسة آلاف درهم معه حين الهجرة ووضعها تحت تصرف النبي ﷺ (٤).
وكان النبي ﷺ يقضي في مال أبي بكر، كما يقضي
_________________
(١) أبو داؤد: السنن ٤: ٤١٧، وابن سعد: الطبقات الكبرى ٣: ١٩١ وإسناده صحيح، وهذا الوصف له في غزوة ذات السلاسل.
(٢) التوبة ٤٠.
(٣) ابن حجر: الإصابة ٤: ١٦٩.
(٤) ابن سعد: الطبقات ٣: ١٧٢، وأبو نعيم: معرفة الصحابة ١: ١٨٠، والذهبي: تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين-١٠٧، وابن حجر: الإصابة ٤: ١٧١ - ١٧٢، والسيوطي: تاريخ الخلفاء٣٩.
[ ٧٢ ]
الرجل في مال نفسه (١). وقد بيَّن النبي ﷺ مدى إفادة الإسلام من ذلك "ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر" (٢). وقد بشره رسول الله ﷺ بالجنة (٣)، وترك خوخة (٤) داره مشرعة على المسجد دون بقية الصحابة (٥)، وولاه الصلاة خلال مرضه (٦). وكان موضع مشورة النبي ﷺ، وقد صاهره بأن تزوج ابنته عائشة ﵂. وروى عن النبي ﷺ مائة حديث واثنين وأربعين حديثًا (٧). وقد ظهرت حكمته ورباطة جأشه في مواجهة مصاب الأمة بوفاة النبي ﷺ، كما ظهرت شخصيته القوية وحنكته السياسية في اجتماع السقيفة وقد عبر عن تواضع جم وزهد في الخلافة حين رشح لها مبينًا أن سالم مولى أبي حذيفة أتقى منه، وأن عمر بن الخطاب أقوى منه (٨). ولما تولى الخلافة أظهر قدرة فائقة على إدارة شؤون الدولة التي تعرضت للانقسام الخطير بسبب ظهور المرتدين، فأعاد للدولة وحدتها وأمنها، ووجه طاقتها للجهاد وفتح بلاد العراق والشام.
وتوضح خطبه ورسائله إلى قادته في العراق والشام تقواه وورعه،
_________________
(١) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٧٢ من مراسيل سعيد بن المسيب وهي قوية.
(٢) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٦٥ بإسناد صحيح.
(٣) البخاري: الصحيح ٧: ٢٢.
(٤) الخوخة: باب صغير ينفذ منه إلى المسجد.
(٥) البخاري: الصحيح ٥: ٥٥٨.
(٦) البخاري: الصحيح ٢: ١٦٦، ومسلم: الصحيح ١: ٣١٦.
(٧) بقي بن مخلد ٨٢. وقد ذكر السيوطي مائة وأربعة أحاديث منها (تاريخ الخلفاء ٨٧ - ٩٤).
(٨) ابن سعد: الطبقات ٣: ١٨٥، وأحمد: فضائل الصحابة ١: ١٦٢ بإسناد حسن.
[ ٧٣ ]
وحرصه على نشر الإسلام، وترفعه عن الدنيا، كما تبين سلاسة أسلوبه وبلاغة تعبيره وبعده عن الإطناب في الكلام والمبالغة في التعبير فكان من خطباء الصحابة المقدَّمين (١).
وقد أنجز مشروعًا عظيمًا بجمع القرآن للمرة الأولى مما منع وقوع الاختلاف فيه، وحقق الوحدة الدينية والثقافية للمسلمين (٢).
ومع سعة علمه بالقرآن والسنة، وفهمه الثاقب لمقاصد الشرع وأحكامه وتصدره للفتوى (٣)، فإنه كان كثير الاستشارة للصحابة (٤)، وكانت الرحمة تغلب على آرائه، فقد أشار بقبول المفاداة من أسرى بدر، والسكينة تملأ نفسه فقد ثبَّت الناس في حادثة وفاة النبي ﷺ، والحزم ومضاء العزيمة عنوان سياسته كما في موقفه من حركة الردة، ورعاية الآخرين منهج حياته وخاصة الفقراء والمرضى (٥).
توفي أبو بكر الصديق ﵁ وعمره ثلاث وستون سنة (٦) في جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وكانت مدة ولايته سنتين ونصف (٧).
_________________
(١) السيوطي: تاريخ الخلفاء ٦٠.
(٢) ابن سعد: الطبقات ٣: ١٩٣، وانظر صحيح البخاري (فتح الباري ٩: ١٠).
(٣) راجع فتاويه في تاريخ الخلفاء للسيوطي ٩٥ - ١٠٥.
(٤) السيوطي: تاريخ الخلفاء ٤٣، ٥٢.
(٥) مسلم: الصحيح ٤: ٧١٣، ١٨٥٧.
(٦) مسلم: الصحيح ٤: ١٨٢٦، والترمذي: السنن (تحفة الأحوذي ١٠: ١٣٦).
(٧) الطبراني: المعجم الكبير ١: ١٤، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٩: ٦٠)، وأبو نعيم: معرفة الصحابة ١: ١٦٩.
[ ٧٤ ]