كانت فكرة الأمة الواحدة، والدولة الواحدة التي تسودها أحكام الشريعة في داخلها؛ والرغبة القوية في تبليغ رسالة الإسلام خارج حدودها قد تمكنت من النخبة المسلمة عندما واجهت الحادثة الأليمة التي تمثلت بوفاة الرسول ﷺ وقد عبر أنس بن مالك عن أثر الحادث في النفوس: "لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء .. وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا" (١). ولفرط الذهول كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "والله ما مات رسول الله ﷺ وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم (٢) .. ولكن ربه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فلبث عن قومه أربعين ليلة (٣) .. وأخذ بقائم سيفه وقال: لا أسمع أحدًا يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي هذا"، وطلب الناس لسالم بن عبيد الأشجعي أن يدعو أبا بكر ﵁ فرآه في المسجد فأخبره خبر الوفاة (٤)، فدخل أبو بكر على عائشة وكشف عن وجه
_________________
(١) أحمد: المسند ٣: ٢٢١، والترمذي: سنن ٥: ٥٨٨ وقال: حديث غريب صحيح، وابن ماجة: السنن ١: ٥٢٢، وقال ابن كثير: إسناده على شرط الصحيحين (البداية والنهاية ٥: ٣٠٨)
(٢) البخاري: الصحيح ٥: ٨.
(٣) عبد الرزاق: المصنف ٥: ٤٣٣ بإسناد صحيح، وابن سعد: الطبقات الكبرى ٢: ٢٦٦، ٢٦٩ بإسناد رجاله ثقات.
(٤) الترمذي: الشمائل المحمدية ٣٠٨، والنسائي: كتاب الوفاة ٧٣ وصححه الألباني (مختصر
[ ٤٥ ]
النبي ﷺ وهو مسجَّى ببرد حبرة، ثم قبله وبكى، وقال: "بأبي أنت وأمي، طبت حيًا وميتًا" ثم خطب الناس معلنًا الوفاة: "ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت" واستشهد بالقرآن فنشج الناس يبكون (١).
وقد طهر في الموقف رجحان علم الصديق، ورباطة جأشه، وشجاعته وجرأته، وقوة رأيه (٢).
ورغم الذهول الذي أصاب النخبة وعامة المسلمين فإن أهمية إقامة السلطة في الإسلام جعلتهم يتحركون في اتجاه اختيار الحاكم قبل أن ينتهوا من تشييع الجسد الشريف إلى مثواه. وقد يقف خلف هذا التحرك السريع إدراك النخبة بخطورة الأوضاع المحيطة بالكيان الإسلامي الذي مضى عليه عقد واحد من السنين، تأسست فيه الدولة واتسعت رقعتها وكسبت أنصارا لها داخل المدن الحجازية الثلاث خاصة في حين بقيت القبائل الكبيرة في أعدادها والمنتشرة في البوادي والصحراء تحيط بالمراكز الإسلامية من كل مكان ..
وكانت الضوابط الشرعية لاختيار المسؤول الأول للدولة تنحصر في قرشيته ومكانته التي يحددها قدمه في الإسلام وخدمته للدعوة وللدولة ومنزلته لدى النبي ﷺ وإمكان إجماع الأمة أو أكثرها على شرعية توليه لرئاسة الدولة وخلافة النبوة.
وكانت النخبة تتمثل في المهاجرين الذين تطلعوا إلى أبي بكر ﵁
_________________
(١) الشمائل المحمدية ١٩٨)، والطبراني: المعجم الكبير ٧: ٥٦ وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٥: ١٨٢).
(٢) البخاري: الصحيح ٢: ٩٠ و٥: ٨ و٦: ١٧.
(٣) ابن حجر: فتح الباري ٧: ٣٠ و٨: ١٤٦.
[ ٤٦ ]
وبعضهم كان منشغلًا مع علي ﵁ بتشييع النبي ﷺ، وفي الأنصار الذين التفوا حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة وعقدوا اجتماعًا في سقيفة بني ساعدة لمناقشة الموقف الجديد .. فالأنصار هم السكان الأصليون للمدينة، وقد آووا المهاجرين ونصروا الإسلام بأرواحهم وأموالهم، وهيئوا له فرص الاستقرار والانتشار، وعرفوا بإيثارهم وصبرهم وجهادهم وتضحياتهم أفلا يكون لهم الحق في رئاسة الدولة ورعاية الإسلام؟
وقد بلغ خبر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة إلى المهاجرين وهم مجتمعون مع أبي بكر الصديق ﵁ لترشيح من يتولى الخلافة (١). فقال المهاجرون لبعضهم: "انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار، فإن لهم في هذا الحق نصيبًا" (٢). قال عمر بن الخطاب ﵁: "فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكر ماتمالأ عليه القوم. فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمِّل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة فقلت ماله؟ قالوا: يوعك" (٣).
_________________
(١) البخاري: الصحيح ٨: ٢١٠، وعبد الرزاق: المصنف ٥: ٤٣٩، وابن سعد: الطبقات الكبرى ٣: ٦١٥، والترمذي: الشمائل المحمدية ٣٠٨، والنسائي: كتاب الوفاة ٧٥، والطبراني: المعجم الكبير ٧: ٥٦، وابن أبي شيبة: المصنف ١٤: ٥٦٥، وصرح ابن اسحق بالسماع كما في فتح الباري ١٢: ١٥٣ لابن حجر.
(٢) الترمذي: الشمائل المحمدية ٣٠٨، والنسائي: كتاب الوفاة ٧٥، والطبراني: المعجم الكبير ٧: ٥٦، وصححه الألباني (مختصر الشمائل ١٩٨).
(٣) البخاري: الصحيح ٨: ٢١٠.
[ ٤٧ ]
وقد كشفت روايات صحيحة عن اسمي الرجلين من الأنصار، وهما عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي (١)، وموقفهما يدل على عدم وجود موقف موحد للأنصار (٢).
ويبدو أن عدد المهاجرين الذين دخلوا السقيفة كان محدودًا، وربما دخل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة أولًا ثم تلاحق المهاجرون (٣).
وقد حدث نقاش طويل بين المهاجرين والأنصار حول أحقية كل طرف بتولي الخلافة. وقد بين أحد الأنصار أحقيتهم بقوله: "أما بعد فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفَّت دافَّة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر" (٤).
أما المهاجرون فتكلم عنهم أبو بكر الصديق بحلم ووقار وبديهية- كما وصفه ابن عمر- فقال: "ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يُعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا يا معشر الأنصار إنا والله ما ننكر فضلكم، ولا بلاءكم في الإسلام، ولا حقكم الواجب علينا، ولكنكم عرفتم أن هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب ليس بها غيرهم، وأن العرب لن تجتمع إلا على رجل منهم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، فاتقوا الله ولا تصدعوا الإسلام،
_________________
(١) عبد الرزاق: المصنف ٥: ٤٤٥، وابن أبي شيبة: المصنف ١٤: ٥٦٣، وأحمد: المسند ١: ٥٦، والبخاري: الصحيح ٥: ١١٠.
(٢) ابن حجر: فتح الباري ١٢: ١٥١.
(٣) ابن حجر: فتح الباري ١٢: ١٥٣.
(٤) البخاري: الصحيح ٨: ٢١٠. والدافَّة: العدد القليل (ابن حجر: فتح الباري ١٢: ١٥١). ويختزلونا: يقتطعونا وينفردوا بالأمر. ويحضنونا: يخرجونا (النهاية في غريب الحديث ٢: ١٢٤ و٢: ٢٩ و١: ٤٠١ على التوالي).
[ ٤٨ ]
ولا تكونوا أول من أحدث في الإسلام" (١).
وقد وردت روايات ضعيفة تفيد أن المهاجرين احتجوا على الأنصار بحديث "قريش ولاة هذا الأمر" (٢)، ولكن يبدو أن الحديث لم يخطر على بالهم، أو أن الصديق اكتفى بتضمينه في كلامه، والأول أقوى لأن الحديث كان سيقطع الأمر لصالح المهاجرين دون استمرار الحوار.
لقد نظر الأنصار إلى الخلافة من زاوية محدودة بظروف المجتمع المدني والعلاقة التأريخية بين المهاجرين والأنصار، أما المهاجرون فنظروا نظرة واسعة على مستوى الدولة كلها وما يترتب على خروج السلطة من قريش من عواقب كبيرة لأن العرب يمكن أن ترض بقيادتها لمكانتها فيهم، أما لو تولاها الأنصار فقد تقع انشقاقات خطيرة تؤدي إلى تفكك الدولة الإسلامية.
وقد طرح عدد من الأنصار فكرة تعيين أميرين أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار (٣)، ولكن أبا بكر ﵁ قال: "لا، ولكنَّا الأمراء وأنتم الوزراء" (٤). وقال عمر: "سيفان في غمد واحد!! إذا لا يصلحان" (٥).
_________________
(١) ابن أبي شيبة: المصنف ١٤: ٥٦٣ وصرح ابن اسحق بالسماع كما في فتح الباري ١٢: ١٥٣.
(٢) أحمد: المسند ١: ٥ بإسناد رجاله ثقات لكنه من مرسل حميد بن عبد الرحمن الحميري وهو ثقة فقيه، وحسنه البزار وابن تيمية (ابن تيمية: منهاج السنة النبوية ١: ٥٣٦، والمتقي الهندي: كنز العمال ٥: ٦٣٨ عن ابن المنذر).
(٣) أحمد: المسند ٥: ١٨٥ بإسناد صحيح، وابن سعدْ: الطبقات ٣: ٢١٢، وابن أبي شيبة: المصنف ١٤: ٥٦١، والبلاذري: أنساب الأشراف الشيخان ٦٥، والطبراني: المعجم الكبير ٥: ١١٤. وصححه ابن كثير: البداية والنهاية ٥: ٢٨١.
(٤) البخاري: الصحيح ٥: ٨.
(٥) الترمذي: الشمائل المحمدية ٣٠٨. وصححه الألباني (مختصر الشمائل ١٩٨). والنسائي:
[ ٤٩ ]
وهنا تدخل كاتب الوحي زيد بن ثابت وهو من الخزرج فقال: "إن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، ونحن أنصارهم كما كنا أنصار رسول الله ﷺ". فقال أبو بكر "جزاكم الله خيرا من حي يا معشر الأنصار، وثبت قائلكم، والله لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم" (١). وهكذا فإن الخزرج هم الذين قاموا بالتنازل إتباعا للحق ومراعاة للمصلحة الإسلامية، ولم يكن التنازل بسبب عدم رغبة الأوس في تولي الخزرج الخلافة- كما يزعم أبو مخنف- (٢)