_________________
(١) والأثر حسن.
(٢) البخاري: الصحيح ٢: ٤٦، ومسلم: الصحيح بشرح النووي ١٠: ٢٠٩، ٢١٢، وابن شبة: تأريخ المدينة ١: ١٧٨، ١٨٤، ١٨٦، والبلاذري: أنساب الأشراف ٤١، ٤٢، وابن الجارود: المنتقى ١٦٦، والبيهقي: السنن الكبرى ٦: ١١٤ - ١١٦، ٣٤٠.
(٣) البخاري: الصحيح ٢: ١٨٥، ١٨٦، ومسلم: الصحيح بشرح النووي ١٢: ٧٦، ٨٠،
(٤) صحيح سنن أبي داؤد للألباني ٢: ٥٧٤.
(٥) البخاري: الصحيح ٢: ١٨٦ - ١٨٨، ومسلم: الصحيح ١٢: ٧١ - ٧٦.
[ ٢٢٧ ]
لم يكن للمسلمين بيت مال في عصر الرسالة و"كان الرسول ﷺ إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى الآهل حظين، وأعطى العزب حظًا" (١). وكان يعطي المال تأليفًا للقلوب حتى "إن الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث الا يسيرًا حتى يكون الإسلام أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها" (٢). ولم يفرض للجند عطاء معينًا، بل يقتسمون أربعة أخماس الغنيمة. ولكن الولاة على المدن والعمال على الصدقات كانت لهم رواتب محددة (٣)، وهي تكفل لهم تنفيذ الأمر النبوي "من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا" قال أبو بكر: أخبرت أن النبي ﷺ قال: "من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق" (٤).
وكان أبو بكر في أول خلافته ينهج منهج الرسول ﷺ في قسمة المال دون حفظه، ويذكر الواقدي أنه كان يحتفظ به بعد ذلك في بيته بالسنح دون حارس ثم نقله إلى جوار المسجد النبوي (٥).
وقد حدَّد الصحابة مرتب أبي بكر ﵁ بألفي درهم، فقال: "زيدوني فإن لي عيالًا، وقد شغلتموني عن التجارة، فزادوه خمسمائة.
وقد شك الراوي فذكر احتمال أن الراتب كان في الأصل ألفين وخمسمائة
_________________
(١) صحيح سنن أبي داؤد للألباني ٢: ٥٧٠.
(٢) مسلم: الصحيح (بشرح النووي) ١٥: ٧٢.
(٣) صحيح سنن أبي داؤد للألباني ٢: ٥٦٨.
(٤) المصدر السابق.
(٥) ابن سعد: الطبقات ٣: ٢١٢، ٢١٣.
[ ٢٢٨ ]
درهم ثم صار ثلاثة آلاف بالزيادة (١). ويبدو أنه راتب سنوي، وأنه أخذ من الدولة خلال خلافته ستة آلاف درهم، فيكون راتبه الشهري في حدود (٢٥٠) درهمًا (٢)، كما جعلوا له شاةً في كل يوم يطعمها لضيوفه، ويبقى رأسها وأكارعها لأهل بيته (٣). كما جعلوا له شيئًا من السمن واللبن (٤).
أما رواتب الولاة فلم تصرح الروايات بمقاديرها، ولكن يبدو أنها كانت لا تكفيهم حيث طلبوا زيادتها "أن زدنا في أرزاقنا وإلا فابعث إلى عملك من يكفيكه" فاستشار أبو بكر الصحابة فوافقوا على زيادتها (٥).
وقد دفعت الدولة للناس مرتبات سنوية محددة سميت بالعطاء، وقد ساوى أبو بكر ﵁ بين الناس في العطاء دون النظر إلى تفاضلهم في السابقة والجهاد معللًا ذلك بقوله: "إن هذا المعاش الأسوة فيه خير من الأثرة" فعمل بهذا ولاته. وقد شمل العطاء المتساوي الصغير والكبير والحر والمملوك والذكر والأنثى (٦)
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ٣: ١٨٥ وفيه انقطاع لأن ميمون الجزري لم يدرك خلافة أبي بكر (ابن حجر: تلخيص الحبير ٤: ٢١٣)، وانظر: أحمد: فضائل الصحابة ١: ١٦٢ وفيه "ألفان وخمسمائة" فقط.
(٢) ابن سعد: الطبقات ٣: ١٩٣، والبلاذري: الشيخان ٥٦، وأبو عبيد: الأموال ٢٨١ من مرسل سعيد بن المسيب ومراسيله قوية.
(٣) ابن سعد: الطبقات ٣: ١٨٥ من رواية ميمون الجزري ولم يدرك خلافة الصديق.
(٤) أبو عبيد: الأموال ٢٨٠، وابن سعد: الطبقات ٣: ١٩٣، والبلاذري: الشيخان ٥٥ والأثر صحيح.
(٥) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٢٩٢ من مرسل نافع مولى ابن عمر.
(٦) أبو يوسف: الخراج ٤٢ من مرسل عبد الله بن أبي نجيح وهو ثقة، وصحيح سنن أبي داؤد
[ ٢٢٩ ]
وتحدد رواية ضعيفة مقدار العطاء في العام الأول من خلافة الصديق بعشرة دراهم وفي العام الثاني بعشرين درهمًا (١). وكان العطاء مقتصرًا على أهل المدن دون البادية (٢).
وفي خلافة عمر ﵁ تدفقت الأموال على الدولة، كما زادت نفقات الدولة زيادة عظيمة، فاحتاجت إلى تنظيم الواردات والمصروفات، والاحتفاظ بفائض المال لمدة طويلة، فاتخذ عمر ﵁ بيت المال (٣)، وممن تولى إدارته عبد الرحمن بن عبد القاري (تابعي له رؤية) (٤)، وعبد الله بن الأرقم الزهري (صحابي) (٥)، ومعيقيب بن أبي فاطمة (صحابي) (٦).
وقد استحدثت بيوت الأموال في الأمصار أيضًا توضع فيها أموال المصر الخاصة فكان عبد الله بن مسعود يتولى بيت المال في الكوفة (٧).
_________________
(١) للألباني ٢: ٥٧٠.
(٢) - ابن سعد: الطبقات ٣: ١٩٣ بإسناد فيه أسامة بن زيد بن أسلم "ضعيف".
(٣) - أبو عبيد: الأموال ٢٤٠، ٢٤٣.
(٤) - ابن شبة: تأريخ المدينة ٣: ٨٥٧ - ٨٥٨ بسند مقطوع.
(٥) - البيهقي: السنن الكبرى ٢: ١٤٣ بإسناد حسن.
(٦) - خليفة: التأريخ ١٥٦، وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٥٥٦ - ٥٥٧، وأحمد: الزهد ١٤٣ - ١٤٤، وابن شبة: تأريخ المدينة ٦٩٩، وابن حجر: المطالب العالية ٣: ٧٣٢ نقلًا عن مسند اسحق بن راهويه، والأثر إسناده حسن.
(٧) - ابن شبة: تأريخ المدينة ٢: ٧٠٢ والخبر صحيح، وابن حجر: التقريب ٢: ٢٦٨.
(٨) - عبد الرزاق: المصنف ٦: ١٠٠ - ١٠١ و١٠: ٣٣٣، وابن سعد: الطبقات ٨: ٦، وأحمد: المسند ١: ١٥٩ وفضائل الصحابة ٢: ٨٤٢، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٤٩٩، والبيهقي: السنن الكبرى ٦: ٣٥٤ وهو يعتضد بطرقه إلى الحسن.
[ ٢٣٠ ]
وكان عمر يعجل بقسمة الأموال التي ترد إلى بيت المال في أول خلافته (١)، ثم دون الديوان، وفرض الفرائض، ووضع العرفاء على القبائل (٢).
ويؤرخ الطبري تدوين الديوان لأول مرة في السنة الخامسة عشرة من الهجرة (٣) وأما البلاذري فيؤرخه في سنة عشرين. وتدل الروايات الصحيحة على أن تدوين الديوان كان عقب قدوم أخماس غنائم فتوح العراق يحملها أبو هريرة السدوسي (٤) بعد ولاية أبي موسى الأشعري على البصرة، وقدرها ثمانون ألف درهم (٥)، وكانت ولايته عليها منذ السنة السابعة عشرة للهجرة، كما أن غنائم المدائن وجلولاء- وقد فتحتا سنة ستة عشر- (٦) وصلت في وقت مقارب للأخماس التي أرسلها أبو موسى الأشعري، وقدر خمس غنائم جلولاء ستة ملايين درهم (٠٠٠، (٠٠٠)، ٦ درهم) (٧)، فلعل تدوين الديوان كان في حدود سنة (١٧) هـ.
_________________
(١) عبد الرزاق: المصنف ١١: ١٠٠، وأحمد: المسند ١: ١٦، ٩٤، والبزار: المسند ٤: ٢٥٣،
(٢) - أحمد: فضائل الصحابة ١: ٣٢٨، وابن أبي شيبة: المصنف ٥: ٣٤٣ و٦: ٤٥٥ (ط. بيروت)، والبيهقي: السنن الكبرى ٦: ٣٦٠ و٨: ١٠٨ والأثر صحيح.
(٣) - الطبري: تأريخ ٢: ٤٠٢.
(٤) - أما المصادر التأريخية فتذكر أن قدوم أبي هريرة كان من البحرين، وكان واليًا عليها سنة عشرين للهجرة (البلاذري: فتوح البلدان ٤٣٩، وأبو يوسف: الخراج ١٠٥، والبيهقي: السنن ٦: ٣٥٠ وقد اضطربت في مقدار الخمس).
(٥) - يعقوب بن سفيان: المعرفة والتأريخ ١: ٤٦٥ - ٤٦٧، وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٥٧، والبيهقي: السنن ٦: ٣٦٤ والأثر صحيح.
(٦) - ابن سعد: الطبقات ٣: ٢٩٦، ٢٩٧ عن الواقدي، والبلاذري: فتوح البلدان.
(٧) - ابن أبي شيبة: المصنف ١٢: ٣١٨ (ط. السلفية)، وأبو عبيد: الأموال ٢٢٤.
[ ٢٣١ ]
وأراد عمر ﵁ توزيع هذه الأموال فأشار عليه الصحابة رضوان الله عليهم: "لا تفعل يا أمير المؤمنين، إن الناس يدخلون في الإسلام ويكثر المال، ولكن أعطهم على كتاب" (١). ولابد أن كتابة قوائم بأسماء المقاتلة مع تحديد معدلات أعطياتهم وأرزاقهم استلزم وقتًا طويلًا ولم يتم إنجازه كاملًا إلا سنة عشرين بعد أن استقرت الأوضاع، واتضحت أبعاد الفتح، وأنشئت المعسكرات الجديدة كالكوفة والبصرة، وتحددت الأجناد (جند الشام، وجند حمص، وجند قنَّسرين) واتضحت موارد الدولة المالية، مما يمكن معه من إنجاز الإحصاء والتدقيق اللازمين للديوان (٢).
وتشير روايات ضعيفة إلى أن فكرة الديوان عرضها بعض الصحابة بناء على ما رأوه في بلاد الفرس والشام (٣)، أو أن فكرة الديوان عرضها الهرمزان- أسير تستر سنة (١٧) هـ- (٤). ولكن مما لا شك فيه أن الدواوين الإدارية والمالية كانت معروفة في أجهزة الحكم للدولتين العظميين المتصارعتين في المشرق قبيل ظهور الإسلام (٥).
_________________
(١) - يعقوب بن سفيان: المعرفة والتأريخ ١: ٤٦٥ - ٤٦٧، وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٥٧، والبيهقي: السنن ٦: ٣٦٤ والأثر صحيح.
(٢) - عبد العزيز بن عبد الله السلومي: ديوان الجند ١٠١.
(٣) - ابن سعد: الطبقات ٣: ٣٠٠، وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٥٢، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٥٤، والبيهقي: السنن ٦: ٣٤٩، والأثر فيه ضعف مداره على محمد بن عمرو بن علقمة الليثي صدوق له أوهام (ابن حجر: التقريب ٢: ١٩٦).
(٤) - الجهشياري: الوزراء والكتاب ١٧، والصولي: أدب الكتاب ١٩٠، والماوردي: الأحكام السلطانية ١٩٩، والعسكري: الأوائل ١٣٤.
(٥) - الجهشياري: الوزراء والكتاب ٢، ٣، وابن خرداذبة: المسالك والممالك ١١١ - ١١٢، والبلاذري: فتوح البلدان ٥٦٠، والماوردي: الأحكام السلطانية ١٩٩، والمقريزي: الخطط ١: ١٤٨، والسلومي: ديوان الجند ٩١.
[ ٢٣٢ ]
ولا شك أن تدوين الديوان هو بمثابة إحصاء لأعداد المقاتلين المسلمين، بل ولغيرهم أيضًا ممن استحقوا العطاء، وكان قد جرى أول إحصاء في الإسلام في عهد النبوة "اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس" فكتب له ألفًا وخمسمائة رجل (١) ولم تشر المصادر إلى وقوع إحصاء آخر للسكان حتى تدوين الديوان.
أما عن ترتيب الديوان، فقد بدأ بقرابة الرسول ﷺ (٢) الحسن والحسين (٣)، ثم الأقرب فالأقرب، فقسم لزوجاته ﷺ، ثم قدم المهاجرين الأولين فبدأ بأهل بدر منهم ثم أحد .. وعلل ذلك بقوله: "إني بادئ بأصحابي المهاجرين الأولين، فإنا أخرجنا من ديارنا ظلمًا وعدوانًا- ثم أشرفهم ففرض لأهل بدر وأحد- ثم قال: ومن أسرع في الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به العطاء، فلا يلومنَّ رجل إلا مناخ راحلته" (٤). واذا اقتصرنا على ما صح من مقادير العطاء، فإن عطاء زوجات النبي ﷺ كان عشرة آلاف درهم (٠٠٠، (١٠) درهم) كل سنة إلا جويرية وصفية وميمونة فقد فرض لهن أقل من ذلك ثم زاد عطاؤهن فصار اثني عشر ألف درهم (٠٠٠، (١٢) درهم) إلا صفية وجويرية كان عطاؤهن ستة آلاف درهم (٦٠٠٠ درهم). وقد طالبت عائشة بالمساواة بين أمهات المؤمنين، فوافق عمر على مساواتهن (٥).
_________________
(١) البخاري: الصحيح ٤: ٨٧.
(٢) يعقوب بن سفيان: المعرفة والتأريخ ١: ٤٦٦ بإسناد صحيح رجاله ثقات.
(٣) عبد الرزاق: المصنف ١١: ١٠٠ بإسناد صحيح رجاله ثقات.
(٤) ابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٥٧، وأحمد: المسند ٣: ٤٧٥ بإسناد حسن، ويعقوب بن سفيان: المعرفة والتأريخ ١: ٤٦٣ بإسناد صحيح.
(٥) عبد الرزاق: المصنف: ١١: ١٠٠، وأحمد: المسند ٣: ٤٧٥، ٤٧٦، ويعقوب بن سفيان:
[ ٢٣٣ ]
وكان عطاء المهاجرين والأنصار أربعة آلاف درهم (٤٠٠٠ درهم) لكل واحد سنويًا (١)، سوى عبد الله بن عمر بن الخطاب فإنه فرض له ثلاثة آلاف وخمسمائة درهم (٣٥٠٠ درهم) معللًا ذلك "بأنه هاجر به أبوه أي ليس هو كمن هاجر بنفسه" (٢)، وكان عبد الله صبيًا حين الهجرة. ثم زاد المهاجرين ألفًا فصار عطاءهم خمسة آلاف درهم (٥٠٠٠ درهم) كل سنة (٣). ويبدو أن هذا العطاء للبدريين فقط من المهاجرين والأنصار (٤).
وأما من شهد صلح الحديبية فكان عطاءه ثلاثة آلاف درهم (٣٠٠٠ درهم) كل سنة (٥).
وفرض لكل مولود مائة درهم (١٠٠ درهم)، وكان يفرض للفطيم ثم فرض للمولود حين ولادته خوفًا من تعجيل فطامه (٦).
_________________
(١) المعرفة والتأريخ ١: ٤٦٣، ٤٦٤، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٥٣٦، والبيهقي: السنن الكبرى ٦: ٣٤٩.
(٢) البخاري: الصحيح ٢: ٣٣٥.
(٣) البخاري: الصحيح ٢: ٣٣٥.
(٤) عبد الرزاق: المصنف ١١: ١٠٠ والأثر صحيح.
(٥) أحمد: المسند ٣: ٤٧٥ - ٤٧٦، ويعقوب بن سفيان: المعرفة والتأريخ ١: ٤٦٣، والبيهقي: السنن ٦: ٣٤٩ والأثر صحيح.
(٦) يعقوب بن سفيان: المعرفة والتأريخ ١: ٤٦٣ - ٤٦٤، والبيهقي: السنن الكبرى ٦: ٣٤٩ والأثر صحيح.
(٧) عبد الرزاق: المصنف ٥: ٣١١، وابن سعد: الطبقات ٣: ٣٠١، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٥٢٨ والأثر صحيح. وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٥٦، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٥٢٧ والأثر صحيح لكنه خاص بعطاء زيد حفيد عمر، ولا يعقل أن يختصه دون أولاد المسلمين.
[ ٢٣٤ ]
وأما الموالي، فقد فرض لأشرافهم كالهرمزان حينما أسلم ألفي درهم (٢٠٠٠ درهم) (١).
وإضافة إلى العطاء السنوي فإن عمر ﵁ كان يوزع عطايا متفرقة، فقد أرسل إلى عائشة ﵂ دراجًا (سفطًا لوضع الطيب والحلي) بعد أن استأذن الصحابة (٢). وأعطى بعيرًا محملًا بالطعام والنفقة والثياب لبنت خفاف بن ايماد الغفاري لمكانة أبيها وأخيها في الجهاد (٣). وقسم مروطًا (أكسية تأتزر بها النساء من الصوف أو الحرير) بين نساء من نساء المدينة، وخصَّ أم سليط بمرط جيد "لأنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد" (٤). وربما دفع أموالًا لبعض الصحابة لقسمتها على المحتاجين كما فعل مع عثمان وابن عباس (٥).
وقد قسم المال مرة فسَّوى بين الناس، ولكن راعى أحوالهم الاجتماعية، فإن كان الرجل وحده أعطاه نصف دينار، وإن كانت معه امرأته أعطاه دينارًا (٦).
ومن المهم أن نتبين وجهة نظر عمر ﵁ في عدم المساواة بين المسلمين في العطاء، ودعمه الواضح لقرابة الرسول ﷺ ولكبار
_________________
(١) - ابن أبي شيبة: المصنف ٣: ٧ و٦: ٥١١، وابن زنجويه: الأموال ١: ٣٠٥ - ٣٠٦، والطبري: تأريخ ٢: ٤٨١ والأثر صحيح.
(٢) - أحمد: فضائل الصحابة ٢: ٨٧٥، والحاكم: المستدرك ٤: ٨، وابن حجر: المطالب العالية ٢: ١٨٩ نقلًا عن أبي يعلى الموصلي، والأثر حسن.
(٣) - البخاري: الصحيح ٣: ٤٣.
(٤) - البخاري: الصحيح ٢: ١٥٠.
(٥) - ابن سعد: الطبقات ٣: ٢٨٨، والبزار: المسند ٤: ٢٥٥ - ٢٥٦، ويعقوب بن سفيان: المعرفة والتأريخ ١: ٥٢١ - ٥٢٢، والأثر صحيح.
(٦) - ابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٩٣، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٥٣٩ والأثر حسن.
[ ٢٣٥ ]
الصحابة من المهاجرين والأنصار واعتباره للسابقة في الإسلام والبلاء في الجهاد .. فلا شك أن الفئة التي حازت الأموال الوفيرة في خلافته هي التي أقامت على أكتافها صرح الدولة الإسلامية، كما أنها أكثر فقهًا والتزامًا بالشرع ومقاصده، وأكثر ورعًا وصلاحًا في التعامل مع المال، وتذليله لتحقيق المقاصد الاجتماعية عن طريق الإنفاق. ودعم هذه الفئة اقتصاديًا يقوي نفوذها في المجتمع، ويجعلها أقدر على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحقق مقصد الحديث: "اليد العليا خير من اليد السفلى".
ويلاحظ أن عمر ﵁ أراد العدول عن سياسة التفضيل في العطاء إلى المساواة، ولعل سياسة التفضيل حققت مقاصدها، كما أن وفرة الأموال تتيح له رفع العطاء الأقل إلى الأعلى .. وقد صرَّح بذلك في آخر خلافته قائلًا: "لئن بقيت إلى قابل، لألحقن آخر الناس بأولهم، ولأجعلنهم بيانًا واحد" (١) - أي سواء-.
وأما عن نظرة عمر إلى الأموال العامة فقد عبَّر عنها بقوله: "إنَّ الله جعلني خازنًا لهذا المال، وقاسمًا له، ثم قال: بل الله يقسمه" (٢).
_________________
(١) ابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٥٤، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٥٧٦ والأثر صحيح.
(٢) سعيد بن منصور: السنن ٢: ١٢٤، ١٢٥، وأحمد: المسند ٣: ٤٧٥، ٤٧٦، وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٥٧، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٤٩٩، ويعقوب بن سفيان: المعرفة والتأريخ ١: ٤٦٣ - ٤٦٤، والحاكم: المستدرك ٣: ٢٧٢، والبيهقي: السنن الكبرى ٦: ٢١٠، ٣٤٩، والأثر صحيح.
[ ٢٣٦ ]
وقد بكى عندما رأى عظمة الأموال التي جلبت إلى بيت المال من فتوح فارس، فلما ذكره عبد الرحمن بن عوف بأنه يوم شكر وسرور وفرح، قال عمر: "كلا إن هذا لم يعطه قوم إلا ألقي بينهم العداوة والبغضاء" (١).
ونظر إلى أموال فتح جلولاء فقرأ الآية: (زيِّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة) (٢) وقال: اللهم لا نستطيع إلا أن نفرح بما زين لنا، اللهم فاجعلني أنفقه في حقه، وأعوذ بك من شره (٣).
أما ورعه من المال العام فيظهر من قوله: "أنا أخبركم بما أستحل من مال الله، حلة الشتاء والقيظ، وما أحج عليه وما أعتمر من الظهر، وقوت أهلي كرجل
_________________
(١) ابن المبارك: الزهد ٢٦٥، وعبد الرزاق: المصنف ١١: ١٠٠، وأحمد: المسند ١: ١٦ والزهد ١٤٣، وبن زنجويه: الأموال ٢: ٥٠٠ - ٥٠١، والطبري: التأريخ ٢: ٤٧١، والبيهقي: السنن الكبرى ٦: ٣٥٧ والأثر صحيح.
(٢) آل عمران ١٤.
(٣) ابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٥٥٦ - ٥٥٧، وأحمد: الزهد ١٤٣ - ١٤٤، وابن شبة: تأريخ المدينة ٦٩٩ وهو أثر حسن.
[ ٢٣٧ ]
من قريش، ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، أنا رجل من المسلمين يصيبني ما يصيبهم" (١) وكان يقول: "اللهم إنك تعلم أني لا أكل إلا وجبتي، ولا ألبس إلا حلتي، ولا آخذ إلا حصتي" (٢). ويقول: "إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم، من كان غنيًا فليستعفف، ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف" (٣).
وكان مثاليًا في موقفه عام الرمادة حيث امتنع عن أكل السمن وعاش على الزيت والشعير مواساة للرعية حتى انجلت المجاعة (٤). ورفض أول ماحيا الناس أن يأكل السمن واللبن لارتفاع سعره حيث بلغ ثمن عكة السمن والحيس (يصنع من تمر وأقط وسمن) أربعين درهمًا (٥).