يعرف الفقهاء الغنائم بأنها "ما غلب عليه المسلمون من أموال أهل الحرب حتى يأخذوه عنوة" (١). فلا يدخل فيها الفيء وهو ما أخذ من أموال أهل الحرب دون قتال.
ويعطى السلب للقاتل، وهو متاع وسلاح ودابة المقتول لحديث: "من قتل قتيلًا فله سلبه" (٢). ويسهم للفارس بثلاثة أسهم وللراجل بسهم واحد (٣).
ويعامل الأسرى باحترام، وللإمام أن يحكم فيهم بقبول المفاداة أو المن عليهم بإطلاق سراحهم دون مقابل أو ضرب الجزية عليهم إن كانوا كتابيين، أو استرقاقهم أو قتلهم مراعيًا في ذلك المصلحة (٤). وكانت الدولة تبيع الرقيق الذي يقع لها ضمن خمس الغنائم، فقد اشترى الأشعث من بيت مال الكوفة رقيقًا بعشرين ألف درهم، وذلك خلال تولي عبد الله بن مسعود بيت مال الكوفة (٥).
وتعتبر الغنائم التي حازها المسلمون من أعدائهم موردًا حسنًا لبيت المال، وللمقاتلين مما يرفع من مستوى معيشتهم، ومن المعلوم أن القرآن نص على توزيع الغنائم بين الدولة والمقاتلين ولم يترك ذلك لاجتهاد الدولة، قال تعالى: (واعلموا
_________________
(١) أبو يوسف: الخراج ١٩، ويحيي بن آدم: الخراج ٢٢، وأبو عبيد: الأموال ٢٣٧.
(٢) البخاري: الصحيح (فتح الباري ٦: ٢٤٧).
(٣) رواه أبو داود: صحيح سنن أبي داود للألباني ٢: ٥٢٢.
(٤) ابن حجر: فتح الباري ٦: ١٥٢.
(٥) أبو داؤد: السنن ٢: ٢٥٥.
[ ٢٠٢ ]
أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ..) (١). وهكذا صار الخمس للدولة وأربعة أخماس الغنيمة للمقاتلين.
ومن الظاهر أن حركة الردة اقتصرت غنائمها على داخل الجزيرة العربية فكان معظمها من الخيل (الكراع) والإبل والماشية، والسبي (نساء وذراري)، والسلاح (الحلقة)، وشيء من الذهب والفضة، ولا تذكر المصادر أرقامًا محددة بالنسبة لأصناف الغنيمة، ولكن مصادرة الخيل والسلاح من القبائل المرتدة يوفر أعدادًا جيدة للدولة، نظرًا لعناية القبائل بحيازة الخيل والسلاح. وكان الإجراء يهدف إلى إضعاف المرتدين لعدم الثقة بهم، لذلك لم يقبل اشتراكهم في حركات الفتح الإسلامي حتى نهاية خلافة أبي بكر ﵁.
ولا جدوى من محاكمة الروايات وفق مناهج المحدثين لأن معظم الأرقام وردت في روايات تأريخية لا يتمتع رواتها بثقة النقاد من أهل الحديث، فلو نظرنا في مصادر الطبري عن حركات الردة لوجدناه ينقل (٧٣) رواية عن سيف و(١٤) رواية عن ابن اسحق و(٥) روايات عن أبي مخنف و(٤) روايات عن ابن الكلبي (٢). أما كتاب ابن حبيش (عبد الرحمن بن محمد بن حبشي الأندلسي) فهو أكثر دقة وتنوعًا في المصادر بالنسبة لحركة الردة حيث يقتبس كثيرًا من ابن اسحق والواقدي ووثيمة ويعقوب الزهري، في حين اعتمد خليفة بن خياط في تأريخه على ابن اسحق (١٩ رواية) والمدائني (١٦ رواية) بالدرجة الأولى.
والحق أن المصادر الحديثية تقتصر على ذكر معلومات محدودة دون الخوض في التفاصيل التي أوردها الإخباريون.
_________________
(١) الأنفال ٤١.
(٢) عبد العزيز محمد نور ولي: حركة الردة في اليمن وحضرموت وعمان ص ١٠.
[ ٢٠٣ ]
واذا كانت مصادرة أسد وغطفان لم تحدد مقدار الخيل والسلاح (١)، ومصادرة أهل اليمامة لم تحدد كميات الذهب والفضة والسبي والسلاح والخيل ومساحة البستان من كل قرية مما أخذه المسلمون (٢)، فإن غزو القرية والعرض (من ديار بني حنيفة) قبل الصلح أوقع عددًا كبيرًا من السبي، حيث أرسل خالد بن الوليد خمسمائة منهم إلى المدينة (٣). ولا غرابة في كثرة غنائم اليمامة لأنها مركز اقتصادي مهم زراعيًا وتجاريًا، وفيها كثافة سكانية عالية (٤).
وصالح العلاء بن الحضرمي أهل البحرين على ثلث أموالهم داخل مدينتهم أما ما كان خارجها فقد أخذه جميعًا، وأرسل بأموال كثيرة إلى المدينة (٥). وبلغ نصيب الفارس من جزيرة دارين (٦٠٠٠) درهم (ستة آلاف درهم) والراجل (٢٠٠٠) درهم (ألفي درهم) (٦). وبلغت الأموال التي جناها المسلمون من المرتدين في عمان
_________________
(١) ابن أبي شيبة: المصنف ١٢: ٢٦٣ - ٢٦٤، والبخاري: الصحيح ٩: ١٠١ مختصرًا. وأبو عبيد: الأموال ٢: ٣٣٠، وسعيد بن منصور: السنن ٢: ٣٣٠، وأحمد: فضائل الصحابة ٢: ٨٩٣، والبلاذري: فتوح البلدان ١٣٢، والطبراني: الأوسط (مجمع الزوائد ٦: ٢٢٢)، والبيهقي: السنن الكبرى ٨: ١٨٣، ٣٣٥.
(٢) الطبري: تأريخ ٣: ٢٩٨ من طريق سيف و٣: ٢٩٧ - ٢٩٨ من طريق ابن اسحق لكنه يذكر أن المصادرة لربع السبي فقط. وخليفة: تأريخ ١١٠، والبلاذري: فتوح البلدان ١٢٣ لكنه يذكر ربع السبي ونصف الذهب والفضة. وابن أعثم: الفتوح ١: ٤٠ ويذكر ثلث الخيل وربع السبي.
(٣) ابن أعثم: لفتوح ١: ١٥ - ١٦.
(٤) حشدت ٠٠٠و٤٠ مقاتل في مواجهة المسلمين بقيادة مسيلمة.
(٥) الكلاعي: الاكتفا (حروب الردة) ٢٠١.
(٦) الطبري: تأريخ ٣: ٣١١ عن سيف.
[ ٢٠٤ ]
(دبا) (٤٠٠٠) رأس (أربعة آلاف رأس) من الإبل كان حصة الدولة منها (٨٠٠) رأس (ثمانمائة رأس)، ويبلغ ثمنها ما يقارب (٠٠٠)، (٢٠٠) درهم (مائتي ألف درهم) (١) وإضافة إلى الإبل حازوا (٣٥٠٠) من الأسرى والنساء والذراري بلغت حصة الدولة منها ٧٠٠ (٣٠٠ أسير و(٤٠٠) نساء وذراري) - إذا افترضنا توزيع الأسرى والنساء والذراري بنسبة أربعة أخماس للمقاتلين- (٢). وهذا العدد الكبير من الأسرى والسبي يقدر بـ (٠٠٠)، (٤٠٠)،١ درهم منها (٠٠٠)، (٢٨٠) درهم حصة الدولة. هذا إذا قبلنا أن فداء الأسير يبلغ (٤٠٠) درهم (أربعمائة درهم) كما حدث في مفاداة أهل النيجر في خلافة أبي بكر (٣). وكان عدد السبي من أهل النيجر ألف امرأة وضعن في دار رملة بنت الحارث، فيكون فداءهم (٠٠٠)، (٤٠٠) درهم (أربعمائة ألف درهم) فضلًا عن الأموال المنقولة (٤).
_________________
(١) وهذا التقدير يفترض أن ثمن الواحد من الإبل ٥٠ درهمًا (خمسين درهمًا) واذا قبلنا خبرين بإسنادين ضعيفين، فإن ثمن ست قلانص (النياق الشابة) كانت تعادل ٤٠٠ درهم في خلافة عمر، فالناقة الشابة الواحدة تساوي ٦٦ درهمًا مع العلم أن ثمن الإبل زاد في خلافة عمر عما كانت عليه في عصر السيرة وخلافة أبي بكر ﵁ (عبد الرزاق: المصنف ٧: ٢٧٨، ٢٧٩، وأبو عبيد: الأموال ١٤٧، ١٤٨، وابن زنجويه: الأموال ١: ٣٥٠، ٣٥١، والبيهقي: السنن ٩: ٧٤ والخبران بإسنادين ضعيفين).
(٢) حول تقسيم السبي بعد المعركة بين المقاتلين انظر: عبد الرزاق: المصنف ٥: ١٩٤، والدارقطني: السنن ٤: ١١٤، والبيهقي: السنن ٩: ١١٢، وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٥٠٦، وسعيد بن منصور: السنن ٢: ٢٨٨.
(٣) البلاذري: فتوح البلدان ١٤٥، والكلاعي: الاكتفا (حروب الردة) ٢٤٠.
(٤) الطبري: تأريخ ٣: ٣١٧ عن سيف، والبلاذري: فتوح البلدان ١٤٥، والكلاعي: الاكتفا ٢٤٠.
[ ٢٠٥ ]
وأصاب المسلمون من المرتدين بمهرة ألفي نجيبة (٢٠٠٠ نجيبة) (١) تبلغ قيمتها أكثر من (٠٠٠)، (٢٠٠) درهم- إذا اعتبرنا النجيبة بـ (١٠٠) درهم (٢) في حين أن الجمل العادي بـ (٥٠) درهمًا-.
وقد اقتضى تملك الدولة للإبل والخيل والأغنام من الزكاة والغنائم تخصيص مراع لها، فكان حمى النقيع- نقيع الخضمات- قرب المدينة للخيل منذ عصر السيرة (٣) واستمر في خلافة الصديق (٤)، وحمى الربذة لإبل الصدقة (٥).
وهذه الأموال لا تعد شيئًا إلى جانب غنائم الفتوح الإسلامية في الهلال الخصيب ومصر، ولا تشير المصادر إلى مقادير غنائم الفتح في العراق والشام، بل تذكر وقوع السلاح والدواب والمتاع والنساء والصبيان بيد الجيوش الإسلامية (٦)، ولكنها حددت سهم الفارس في موقعة ذات السلاسل والثني بألف درهم (١٠٠٠ درهم) والراجل ثلث المبلغ، كما أشارت إلى ثراء الأبلة "حتى إنهم ليولغون كلابهم في آنية الذهب والفضة" (٧). كما حددت سهم الفارس في امغيشيا بألف
_________________
(١) الطبري: تأريخ ٣: ٣١٧ عن سيف.
(٢) قومت بختية لعمر- ناقة خراسانية- ثلاثمائة درهم (أحمد: المسند ٢: ١٤٥).
(٣) أحمد: المسند ٢: ٩١، ١٥٥، ١٥٧ بإسناد صحيح. وأبو عبيد: الأموال ٣٠٩، وأبو داؤد: السنن ٣: ٤٦١ - ٤٦٢ بسند حسن.
(٤) ابن سعد: الطبقات ٥: ١١ عن الواقدي.
(٥) الطبري: تأريخ ٣: ١٤٨ عن سيف.
(٦) خليفة: التأريخ ١١٧، ١١٨، ١١٩. والطبري: تأريخ ٣: ٣٥١ عن سيف، ٣٥٤، ٣٨٢ عن سيف، ٤٠٧، ٤١٠ عن سيف. وأبو يوسف: الخراج ٤٢، ١٤٦، ١٤٧ عن ابن اسحق. والأزدي: فتوح الشام ٧٠، ٧٦، ٧٧، ٨٢. والبلاذري: فتوح البلدان ١٥٢، ١٥٤.
(٧) خليفة: التأريخ ١١٧.
[ ٢٠٦ ]
وخمسمائة درهم (١٥٠٠ درهم) سوى المكافآت للشجعان (١).
ويجمل الفقيه أبو يوسف مقدار غنائم فتوح العراق خلال قيادة خالد بن الوليد "بألف رأس وقيل خمسة آلاف رأس" (٢). وبالطبع فإن المعارك جميعًا دارت في قرى ومدن صغيرة على الفرات، ولم يتسم الفتح بالاستقرار بل انتقضت المناطق المفتوحة مرارا، وهذا يوضح قلة الغنائم في المناطق المفتوحة في خلافة الصديق ﵁.
أما في خلافة عمر ﵁ فقد زادت الغنائم زيادة كبيرة لاتساع المناطق المفتوحة ولما كانت تتمتع به من ازدهار اقتصادي كبير، وكان القادة الفرس والروم يخرجون إلى الميدان بكامل أبهتهم، فيقع سلبهم للمسلم، وأحيانًا يبلغ (٠٠٠)، (١٥) درهم (٣) و(٠٠٠)، (٣٠) درهم (٤).
وقد فتحت المدن العظيمة كالمدائن وجلولاء وهمذان والري واصطخر وغيرها، فحاز المسلمون أموالًا عظيمة، مثل بساط كسرى، وهو (٣٦٠٠) ذراع مربعة "أرضه مفروشة بالذهب وموشى بالفصوص وفيه رسوم ثمار بالجواهر، وورقها بالحرير، وفيه رسوم للماء الجاري بالذهب" وقد بيعت قطعة صغيرة منه
_________________
(١) الطبري: تأريخ ٣: ٣٥٨ - ٣٥٩.
(٢) الخراج ١٤٧.
(٣) حازه أبو قتادة الأنصاري وهو ثمن منطقة قتيله ومعها أشياء أخرى (ابن زنجويه: الأموال ٢: ٦٨٩، ٦٩٠ بسند ضعيف).
(٤) حازه البراء بن مالك الأنصاري من قتيله مرزبان الزارة بالبحرين (عبد الرزاق: المصنف ٥: ٢٣٣، وسعيد بن منصور: السنن ٢: ٢٦٣، وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٧٩، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٦٨٩، والبيهقي: السنن ٦: ٣١٠ - ٣١١ والخبر صحيح).
[ ٢٠٧ ]
بعشرين ألف درهم (٠٠٠، (٢٠) درهم) (١).
وحاز المسلمون الذهب والفضة والمجوهرات العظيمة من غنائم جلولاء ونهاوند (٢). حيث بلغ خمس جلولاء ستة ملايين درهم (٠٠٠، (٠٠٠)، (٦) درهم) (٣)، وأعظم الغنائم هي أرض السواد التي وقفها عمر ﵁ للدولة، وأراضي الصوافي التي قتل أصحابها أو فروا عنها، وأملاك كسرى وأهله، حيث جعلت غلتها للدولة، فكانت بإدارتها لصالح بيت المال، ويقال أن غلتها- فيما بعد- بلغت سبعة ملايين درهم (٠٠٠، (٠٠٠)، (٧) درهم) (٤).
وللأسف فإن المصادر لا تتيح من أرقام غنائم الفتح ما يمكن من تقدير دخل الدولة والمقاتلين منها، ولكن لا شك في أنها كانت عظيمة القدر، وأنها أغنت المسلمين أفرادًا ودولة، وارتفعت بمستوى المعيشة، وظهرت آثارها أكثر جلاء في خلافة عثمان ﵁. وقد توسعت الفتوحات في النصف الأول من خلافة عثمان في خراسان شرقًا وأفريقية (تونس) غربًا (٥)، وبلغ سهم المقاتل في تونس ألف دينار (١٠٠٠ دينار) (٦) وثلاثة آلاف دينار (٣٠٠٠ دينار) (٧)، وبلغ خمس
_________________
(١) - الطبري: تأريخ ٢: ٤٦٧ عن سيف.
(٢) - ابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٦٧ بسند حسن (ط. بيروت). وابن زنجويه: الأموال ٢: ٥٨٠ - ٥٨٢. والبلاذري: فتوح البلدان ٣٠٢. والطبري: تأريخ ٢: ٥١٨ - ٥٢٠ بسند ضعيف.
(٣) - ابن أبي شيبة: المصنف ١٢: ٣١٨، وأبو عبيد: الأموال ٢٢٤ وفي السند مجالد ليس بالقوي ثم هو مرسل الشعبي.
(٤) - ابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٧٣، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٦٣١، وابن حجر: المطالب العالية ٢: ١٨٢ نقلًا عن الحارث بن أبي أسامة، والبيهقي: السنن ٩: ١٣٤.
(٥) - الطبري: تأريخ ٤: ١٨٢، ٢٥٣ - ٢٥٤ عن سيف.
(٦) - ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها ١٢٥.
(٧) - أبو زرعة الدمشقي: تأريخ ١: ١٨٤ - ١٨٥، وخليفة: التأريخ ١٦٠، وابن شبة: تاريخ المدينة ٣: ١٠٢٢.
[ ٢٠٨ ]
غنائم أفريقية خمسة عشر ألف درهم (٠٠٠، (١٥) درهم) عندما غزاها مروان بن الحكم (١)، فتكون غنيمة تلك الغزوة (٠٠٠)، (٧٥) درهم للدولة، وتكون سائر الغنيمة (٠٠٠)، (٣٧٥) درهم.
وقد أدت كثرة النقود إلى التضخم الاقتصادي في البضائع ذات الجودة العالية أو النادرة، فبلغ ثمن مطرف خز مائتي درهم (٢٠٠ درهم) وبرد يماني مبلغ مائة درهم (١٠٠ درهم) (٢)، وبيعت الفرس بخمسين ألفًا (٠٠٠، (٥٠) درهم) (٣) وبمائة ألف درهم (٠٠٠، (١٠٠) درهم)، وبيعت نخلة بألف درهم (١٠٠٠ درهم) (٤)