عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه أروى بنت كريز من بني عبد شمس أيضًا (١).
ولد بعد عام الفيل بست سنوات بالطائف (٢) وصف بأنه متوسط الطول، حسن الوجه، فيه نكتات من جدري، رقيق البشرة، عظيم اللحية، أسمر، كثير شعر الجسم (٣). وعرف بالحياء الشديد، ورجاحة العقل (٤)، والعفة، وصلة الرحم (٥) والتقوى (٦)، وإطالة التهجد في صلاة الليل (٧)، والبكاء عند ذكر الآخرة (٨)،
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ٣: ٥٣، وخليفة: الطبقات ١٠، وابن عبد البر: الاستيعاب ٣: ٦٩.
(٢) الديار بكري: تأريخ الخميس ٢: ٢٥٤.
(٣) ابن سعد: الطبقات ٣: ٥٨ بسندين ضعيفين، وأبو نعيم: معرفة الصحابة ١: ٢٣٦، وابن عبد البر: الاستيعاب ٣: ٧٤.
(٤) مسلم: الصحيح (بشرح النووي) ١٥: ١٦٨، ١٦٩، وأحمد: فضائل الصحابة ١: ٤٦٥ بسند صحيح.
(٥) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٤٥٢ بسند صحيح.
(٦) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٤٥٥ بسند صحيح.
(٧) ابن سعد: الطبقات ٣: ٧٥ - ٧٦ بإسناد حسن.
(٨) أحمد: الزهد ٤٢، والترمذي: السنن ٤: ٥٥٣ بإسناد حسن.
[ ٨٠ ]
والتواضع (١)، والكرم والسخاء، فقد عمل تاجرًا فأصاب ثروة كبيرة قبل الإسلام، وقد أنفق منها الكثير على المصالح الإسلامية في مرحلة الدعوة والدولة. فقد اشترى بماله بئر رومة- ولم يكن بالمدينة ماء يستعذب غيرها- فجعلها سبيلا للمسلمين استجابة لندب النبي ﷺ الصحابة لشرائها ووعدهم بخير منها في الجنة (٢). واشترى أرضًا لزيادة مساحة المسجد النبوي بالمدينة استجابة لندب النبي ﷺ للصحابة (٣). وقد دعا النبي ﷺ إلى تجهيز جيش العسرة المتجه إلى تبوك وعدده ثلاثون ألف رجل (٤)، فبادر عثمان ﵁ إلى تجهيزه بالنفقة العظيمة (٥). وقد دفع في تجهيز الجيش ألف دينار فقال النبي ﷺ: "ما ضرَّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم- يرددها مرارًا-" (٦).
أسلم عثمان مبكرًا بدعوة من أبي بكر الصديق (٧)، وهاجر إلى الحبشة (٨) مع
_________________
(١) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٤٥٩ بسند صحيح، وابن سعد: الطبقات الكبرى ٣: ٥٩ بسند صحيح.
(٢) أحمد: المسند ١: ٧٤ - ٧٥ وصححه أحمد شاكر، والترمذي: السنن ٥: ٦٢٥ - ٦٢٧ بسند حسن، والنسائي: السنن ٦: ٢٣٣، ٢٣٤، ٢٣٥، ٢٣٦ بسند صحيح، والدارقطني: السنن ١٩٩:٤ بسند صحيح.
(٣) الترمذي: السنن ٥: ٦٢٧، والنسائي: السنن ٦: ٢٣٤ بسند صحيح.
(٤) الواقدي: المغازي ٣: ٩٩٦، وابن سعد: الطبقات ٢: ١٦٦ بدون إسناد، وابن حجر: فتح الباري ٨: ١١٧.
(٥) البخاري: الصحيح (فتح الباري ٥: ٤٠٦ - ٤٠٧) مستخدمًا صيغة التعليق "قال" عن شيخه مما اعتبره ابن حجر تحملًا بالإجازة أو المناولة أو العرض (الفتح ٢: ١٥٨).
(٦) أحمد: المسند ٤: ٧٥ و٥: ٦٣، والحاكم: المستدرك ٣: ١٠٢، وقال الذهبي: صحيح.
(٧) ابن اسحق: السير والمغازي ١٤٠ بدون إسناد، ويخالفه الواقدي والبلاذري حب يقررا أنهما أسلما بدعوة النبي ﷺ لهما مباشرة (ابن سعد: الطبقات ٣: ٥٥ عن الواقدي، والبلاذري: أنساب الأشراف ٥: ٢) وبذلك لا توجد رواية صحيحة في كيفية إسلامه، لكن الثابت أنه أسلم مبكرًا جدًا.
(٨) البخاري: الصحيح (فتح الباري ٧: ٥٣، ٥٦، ١٦٣، ١٨٧).
[ ٨١ ]
زوجه رقية بنت الرسول ﷺ، وعاد إلى مكة، ثم هاجر منها إلى المدينة (١).
وتغيَّب عن موقعة بدر بأمر النبي ﷺ ليعنى بزوجته رقية، وكانت مريضة، ووعده أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه (٢). وشهد المشاهد الأخرى مع النبي ﷺ، وأرسله في الحديبية إلى قريش فغاب عن بيعة الرضوان فصفق النبي ﷺ يمينه بشماله وقال: "هذه عن عثمان" (٣).
وكان عثمان ﵁ من كبار الصحابة المقربين إلى النبي ﷺ، وقد تزوج من ابنته رقية فلما ماتت تزوج ابنته الثانية أم كلثوم، لذلك لقب بذي النورين (٤).
_________________
(١) ابن اسحق: السير والمغازي ١٧٤، ١٧٦، وابن سعد: الطبقات الكبرى ١: ٢٣٧ - ٢٣٨ بسند منقطع فهو ضعيف، ويعقوب بن سفيان: المعرفة والتأريخ ٣: ٢٦٨ بسند موصول إلى أنس ﵁، والحاكم: المستدرك ٢: ٦٢٣ بإسناد صحيح إلى الزهري، ومراسيل الزهري ضعيفة ٤: ٧٧.
(٢) البخاري: الصحيح (فتح الباري ٦: ٢٧١ و٧: ٦٦ - ٦٧، ٤٢١).
(٣) البخاري: الصحيح (فتح الباري ٧: ٥٤).
(٤) أبو نعيم: معرفة الصحابة ١: ٢٤٥ بإسناد حسن إلى الحسن البصري، لكنه مرسل ضعيف، وله شاهد بإسناد ضعيف في تاريخ بغداد للخطيب ٢: ٢٣١.
[ ٨٢ ]
وقد بشره النبي ﷺ بالجنة في عدة مناسبات (١)، وبشره بالشهادة (٢).
وقد عرف الصحابة له مكانته فهم يعدونه في الفضل بعد أبي بكر وعمر (٣). وروى عن النبي ﷺ مائة حديث وستة وأربعين حديثًا (٤).
وكان عثمان ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ قريبًا من الخليفة أبي بكر الصديق ﵁ ومن بعده عمر بن الخطاب ﵁ يشاورانه ويقدمانه، فلما طعن عمر ﵁ عيَّن مجلس الشورى من ستة من الصحابة المشهود لهم بالجنة ليختاروا الخليفة من بينهم، فاختاروا عثمان ﵁ بعد مشاورة أهل الرأي والمشورة في المدينة (٥)، وذلك في أول محرم سنة أربع وعشرين للهجرة (٦).
وقد أنجز في خلافته الجمع الثاني للقرآن (٧)، وبذلك حفظه ومنع وقوع
_________________
(١) البخاري: الصحيح (فتح الباري ٧: ٢٢، ٤٢، ٥٣ و١٠: ٥٩٧ و١٣: ٢٤٠)، وأبو داؤد: السنن حديث رقم ٤٦٥١، والترمذي: السنن ٥: ٦٢٤.
(٢) مسلم: الصحيح (بشرح النووي) ١٥: ١٩٠ - ١٩١، والترمذي: السنن ٥: ٦٢٧ وقال: حديث حسن. وانظر حول تعدد القصة (فتح الباري لابن حجر ٧: ٣٨).
(٣) البخاري: الصحيح (فتح الباري ٧: ١٦، ٥٤).
(٤) بقي بن مخلد: مقدمة المسند ٨٢.
(٥) البخاري: الصحيح (فتح الباري ٧: ٥٩ - ٦٢ و٣: ٢٥٦ و١٣: ١٩٣ - ١٩٤)، ومسلم: الصحيح ١: ٣٩٦، وابن تيمية: منهاج السنة ٣: ١٦٦.
(٦) ابن سعد: الطبقات ٣: ٦٤، وخليفة: التأريخ ١٥٦، والطبري: تأريخ ٤: ٢٤٢.
(٧) نزل القرآن منجمًا، فإذا نزلت آية أو آيات أمر النبي ﷺ كتاب الوحي بكتابتها وأرشدهم بموضعها من سورتها، وكانوا يكتبون في الرقاع- الخرق- واللخف- حجارة بيض
[ ٨٣ ]
الاختلافات في القراءات، مقتصرًا على لغة قريش، ورتب سوره، وقد أجمعت الأمة على مصحف عثمان في سائر العصور (١).
كما وسَّع الحرمين بمكة والمدينة، وكان بناء المسجد النبوي بالمدينة باللبن والجريد وأعمدة الخشب، فزاد فيه عثمان سنة ٣٠ هـ زيادة كبيرة، وبنى جدرانه بالحجارة المنقوشة والحصى، وجعل عمده من الحجارة المنقوشة أيضًا، وسقفه بالساج، وترك أبوابه الستة كما كانت في خلافة عمر ﵁ (٢).
ومن إصلاحات عهده حفر نهر الأبلة وطوله أربعة وعشرين كيلا (كيلو مترًا) ونهر الأساورة، وكلاهما بالبصرة (٣).
واستعاد المسلمون في خلافته البلدان التي انتقضت عليهم في خلافة عمر ﵁ وبداية خلافة عثمان ﵁، وتوسعت الفتوحات فأضافت بلدانًا جديدة لم يسبق فتحها من قبل مثل أذربيجان وأرمينية وأفريقية تونس والنوبة وجزيرة قبرص وكابل وخراسان وشيراز واصطخر وسابور ودرابجرد وأرجان. وازدهرت الحياة الاجتماعية والاقتصادية في خلافته لكثرة موارد الدولة والمجتمع،
_________________
(١) رقاق- والعسب- سعف النخل- فلما كانت خلافة الصديق ﵁ أمر زيد بن ثابت بجمعه في الصحف من العسب واللخاف وصدور الرجال فأنجزه، وفي خلافة عثمان ﵁ أمر زيد بن ثابت بإعادة العمل معتمدًا على المصحف الذي جمعه في خلافة أبي بكر، حيث تم تدقيق المصحف وترتيب سوره وعملت منه عدة نسخ وزعت على الأمصار منعا لوقوع الاختلاف في القراءات.
(٢) ابن حجر: فتح الباري ٩: ٢١.
(٣) البخاري: الصحيح (فتح الباري ١: ٥٤٠)، والطبري: تأريخ ٤: ٢٦٧، وابن حجر: فتح الباري ١: ٥٤٥.
(٤) خليفة: التأريخ ١٦٥ - ١٦٦.
[ ٨٤ ]
فتوسع عثمان في العطاء، وتوسع الناس في الإنفاق (١).
وقد تذمر بعض أهل الأمصار من ولاته بتحريض من ابن سبأ، فاجتمع المنافقون وحاصروا دار الخليفة، وبعد مناقشات معه تجرءوا عليه واقتحموا داره وقتلوه وهو شيخ في الثمانين، وكان صائمًا يقرأ القرآن حين مقتله وذلك سنة ٣٦ هـ مما عرف بالفتنة، وجرَّ مقتله إلى سلسلة أخرى من الفتن التي عصفت بوحدة المسلمين.
_________________
(١) عمر بن شبة: تأريخ المدينة ٣: ١٠٢٣ - ١٠٢٤ بسند صحيح.
[ ٨٥ ]