أنجز الفتح الإسلامي فتح العراق بعد القادسية (١٥ هـ) وجلولاء (١٦ هـ) وكان أكثر الفتح عنوة، وانتفضت البلاد مرات عديدة، لذلك فإن عهود الفتح وشروط الصلح تغيرت مرات عديدة، ويترتب على الفتح عنوة استملاك المسلمين للأرض، وتقسيمها، وينال الدولة الخمس في حين ينال المقاتلون أربعة أخماس الأرض، ولو تم ذلك التقسيم لأصاب كل مقاتل مساحة واسعة من الأرض الزراعية الخصبة، وثلاثة من فلاحي السواد (٣).
ولكن التقسيم للأرض وللفلاحين لم يحدث، بل جمع عمر ﵁ الصحابة رضوان الله عليهم للنظر في كيفية معاملة منطقة سواد العراق. وقد أوضح
_________________
(١) المصدر السابق ٤٠٤.
(٢) المصدر نفسه ٥٠٥.
(٣) ابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٦٦، والخطيب البغدادي: تأريخ بغداد ١: ٨. وسند الخبر ضعيف فيه تدليس السبيعي واختلاطه بأخرة. ولكن القدر المذكور من الرواية تأريخي صرف لا علاقة له بعقيدة ولا بشريعة.
[ ١٩٦ ]
وجهة نظره للصحابة، فالأصل تقسيم المنطقة المفتوحة وقد ثبت عنه تصريحه بذلك "لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها، كما قسم النبي ﷺ خيبر" (١). ومراعاة حقوق الأجيال التالية استنبطها عمر ﵁ من الآيات القرآنية- والتي قرأها على المجتمعين-: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب).
(للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) فقال معقبًا على هذه الآية: والله ما هو لهؤلاء وحدهم.
(والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).
(والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) (٢). وعقب على هذه الآية الأخيرة بقوله: "والله ما من أحد من المسلمين إلا وله حق من هذا المال أعطي منه أو منع، حتى راع بعدنٍ" (٣). وقد غلب هذا الرأي
_________________
(١) البخاري: الصحيح ٣: ٤٨.
(٢) الحشر ٧ - ١٠.
(٣) عبد الرزاق: المصنف ٤: ١٥١، ١٥٢ و١١: ١٠١، ١٠٢. وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٧١ (ط. كمال يوسف). وابن زنجويه: الأموال ١: ١٠٨، ١٠٩ و٢: ٤٨٠. والبيهقي: السنن ٦: ٣٥١، ٣٥٢ والأثر صحيح.
[ ١٩٧ ]
على المجتمعين (١)، وهكذا دعا الفاتحون المغلوبين للبقاء في الأرض على أن يدفعوا الخراج، وقد أفاد هذا الإجراء في عدم تحول الفاتحين إلى فلاحين مما يضعف قدراتهم القتالية- وهم يواجهون الفرس في الشرق والبيزنطيين في الغرب- كما ربط الفلاحين القدامى بأرضهم وكسب ولاءهم، وساعد على استمرار ازدهار الزراعة في السواد إذ ما كان بوسع الفاتحين استثمار الأرض لنقص الخبرة الزراعية .. وأوجد موردًا سنويًا كبيرًا لبيت المال خاصة وأن الأراضي المفتوحة في الشام ومصر عوملت وفق نظام الخراج أيضًا، وهذا المورد مكَّن الدولة من تجهيز الجيوش الكبيرة والقيام بالإصلاحات المتنوعة وخاصة الارتقاء بالمستوى المعيشي للناس عن طريق نظام العطاء، إضافة إلى الحد من نشوء الملكيات الإقطاعية الكبيرة مما يولد تباينًا اقتصاديًا شاسعًا ويحصر تداول الثروة بأيدٍ قليلة، وهذا ما وعاه عمر من الآيات القرآنية مما يوضح دقة فهمه وعمق بصيرته، وأثر القرآن في توجيه سياسته.
ونظرًا لأن الخراج ضريبة على الأرض خلافًا للجزية فإنه لا يسقط بإسلام
_________________
(١) توجد أخبار ضعيفة السند تدل على رغبة بعض الصحابة في قسمة السواد لأنه فتح عنوة، ويصرح عمر في هذه الأخبار بأنه يحفظ بإجرائه حقوق الأجيال اللاحقة (ابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٦٦، وسعيد بن منصور ٢: ٢٢٧، وابن زنجويه: الأموال ١: ١٩١، ١٩٤، والخطيب: تأريخ بغداد ١: ٧، ٨، ٩، والبيهقي: السنن ٩: ١٣٤. وهذه الأخبار الضعيفة تتضافر لتقوية تعليل عمر ﵁ لإجراءاته في أرض السواد، وهي تتفق مع الثابت من استنباطه من القرآن. كما توجد أخبار ضعيفة تتضافر لتأكيد وجود معارضة ضعيفة لإجراءات عمر في عدم تقسيم أرض الشام ومصر (أبو عبيد: الأموال ٦٣، وأحمد: فضائل الصحابة ١: ٢٨٩، وابن زنجويه: الأموال ١: ١٩١، والبيهقي: السنن ٦: ٣١٨ و٩: ١٣٨، ١٣٩ بأسانيد ثلاثة فيها انقطاع وإرسال وتقوى ببعضها إلى الحسن).
[ ١٩٨ ]
صاحب الحق في استثمار الأرض سواء كان رجلًا أو امرأة، عبدًا أو حرًا (١).
فلما أسلمت دهقانة نهر الملك- كورة واسعة ببغداد بعد نهر عيسى تضم قرى كثيرة- قال عمر: "دعوها في أرضها تؤدي عنها الخراج" (٢).
وتتضافر روايات أخرى ضعيفة في تأكيد عدم سقوط الخراج بالإسلام (٣).
وقد ثبت أن عمر ﵁ كان ينهج سياسة رفيقة مع أهل الخراج خوفًا من المشقة عليهم وإجهادهم فكان يسأل عماله على مسح السواد: "انظر ما لديكما أن تكونا حملتما الأرض مالا تطيق" (٤). وبالطبع فإنه كان يتعامل مع مخالفين له في العقيدة، وذلك في بداية الفتح وفرض الخراج، فكان يحرص على معاملتهم بالعدل والإحسان.
وقد نهى عمر ﵁ عن شراء أرض الخراج لأنها وقف للأمة جميعًا (٥) كما نهى عن شراء أرض أهل الذمة الخراجية الصلحية أيضًا وإن لم تكن
_________________
(١) أبو عبيد: الأموال ٧٨.
(٢) عبد الرزاق: المصنف ٦: ١٠٢ و١٠: ٣٧٠. وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٦٤. وابن زنجويه: الأموال ١: ٢٥٧. والبيهقي: السنن ٩: ١٤١. والخبر صحيح الإسناد.
(٣) عبد الرزاق: المصنف ٦: ١٠٢، ١٠٣. وابن أبي شيبة: المصنف ٤: ٤٠٥، ٤٦٣. وابن زنجويه: الأموال ١: ٢٥٧. والبيهقي: السنن ٩: ١٤١، ١٤٢ وفيه ضعف جابر الجعفي وإرسال الشعبي عن عمر.
(٤) البخاري: الصحيح ٢: ٢٩٧، وعبد الرزاق: المصنف ٦: ١٠٣، وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٤٣٦ و٧: ٤٣٥، ٤٣٦، وابن زنجويه: الأموال ١: ١٦٠، ١٦١. وكان هذا السؤال قبل أربعة أيام من استشهاده.
(٥) الماوردي: الأحكام السلطانية ١٤٧، ١٤٨ وتوجد رواية ضعيفة تفيد رد عمر لشراء عتبة بن فرقد أرضًا خراجية (أبو عبيد: الأموال ٨٤، وابن زنجويه: الأموال ١: ٢٢٢، ٢٢٣، ٢٢٤
[ ١٩٩ ]
ملكيتها وقفًا للأمة لئلا يضطر المسلم إلى دفع الخراج (١).
وكان عمر قد بعث عثمان بن حنيف لمسح السواد فبلغ ستة وثلاثين ألف جريب (الجريب: (١٣٦٦) م٢) فوضع على كل جريب درهمًا وقفيزًا من طعام (القفيز: (١١٢) و٢٦ كغم) مراعيًا عدم المشقة على المالكين. ويحتمل أن هذا الإجراء شمل المساحة الصالحة للزراعة كلها مزروعة وغير مزروعة للحث على زراعتها وأداء خراجها، أو أن هذا المقدار من الخراج كان في أول الأمر، ثم عدل عنه إلى فرض مقدار من الخراج يختلف حسب نوع المحصولات الزراعية، فكان على الجريب من النخل عشرة دراهم (وفي رواية ثمانية دراهم، وربما ذلك يتبع الجودة). والجريب من العنب ثمانية دراهم (٢)، والجريب من القضب (الأشجار الكبيرة المثمرة) ستة دراهم، والجريب من البر أربعة دراهم، والجريب من الشعير درهمين (٣).
_________________
(١) ، وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٥٥٤، والخطيب: تأريخ بغداد ١: ١٧، والبيهقي: السنن الكبرى ٩: ١٤١).
(٢) عبد الرزاق: المصنف ٦: ٤٧ وفيه جهالة راوٍ، ١٠: ٣٣٧ وفيه إرسال الحسن البصري. وأبو عبيد: الأموال ٨٣، ٨٤ وفيه تدليس قتادة. وابن أبي شيبة: المصنف ٤: ٣٣٧. وابن زنجويه: الأموال ١: ٢٣٣، ٢٣٤ وفه انقطاع بعد ابن سيرين. والبيهقي: السنن ٩: ١٤٠ والخبر يرقى بطرقه إلى الحسن.
(٣) لم يثبت أن عمر رفع الخراج عن العنب والنخل والخضروات كما ذكر أبو يوسف عن الحسن بن عمارة لأن الحسن متروك (الخراج ٤١).
(٤) عبد الرزاق: المصنف ٦: ١٠٠، ١٠١ و١٠: ٣٣٣. وابن زنجويه: الأموال ١: ٢٠٩، ٢١٠. والخطيب: تأريخ بغداد ١: ١٠ - ١١. والبيهقي: السنن ٩: ١٣٦. وتتعاضد الروايات لتقوية الخبر.
[ ٢٠٠ ]
ويبدو أنه أضيف إلى الدراهم أخذ شيء من المحصول الزراعي ما بين خمسة إلى عشرة أقفزة (١)، فلعل المقصود من ذلك تمويل القوات الإسلامية.
ولم تثبت مقادير الخراج على أرض الشام ومصر، ولكن يبدو أنها عوملت مثل أرض السواد دون إرهاق.
ولم تشر المصادر إلى وقوع تغيير في مقادير الخراج في عهد الخليفتين عثمان وعلي ﵄ مما يشير إلى استمرارهما في سياسة عمر ﵁ الخراجية التي كان لها الأثر البالغ في الازدهار الاقتصادي الذي تحقق في خلافة عثمان ﵁.
وقد تميز عصر عمر بالدقة في الإحصاء للسكان ومسح أراضي السواد، وتمييز الأراضي الخاصة بكسرى وأسرته، والأراضي التي قتل أصحابها أو فروا في المعارك ضد المسلمين، والأراضي البور، وقد قاد عملية المسح رجال من الصحابة "جمع سعد من وراء المدائن، وأمر بالإحصاء، فوجدهم بضعة وثلاثين ومائة ألف - أكثر من (٠٠٠) و١٣٠ نسمة- ووجدهم بضعة وثلاثين ألف أهل بيت- أكثر من (٠٠٠) و٣٠ أسرة- وهذا الإحصاء الذي قام به الصحابي سعد بن أبي وقاص يدل على قدرة عالية ومرونة في الإفادة من الخبرات المحلية في أعمال المسح والإحصاء (٢).
_________________
(١) أبو عبيد: الأموال ٧٥، وابن أبي شيبة: المصنف ٢: ٤٣٠، ٤٣١، ٤٣٥، ٤٣٦. وابن زنجويه: الأموال ١: ٢١٠، ٢١١. والأسانيد تتضافر لتقوية الخبر.
(٢) عبد العزيز إبراهيم العمري: الولاية على البلدان ٢: ١٠٢.
[ ٢٠١ ]