لقد جرى الترشيح بعد أن استقر الرأي على استخلاف أحد المهاجرين، فرشح أبو بكر أحد اثنين، عمر وأبي عبيدة. فقال عمر: "بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ" (٣). وذكَّر بفضل أبا بكر قائلا: "ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن
_________________
(١) كتاب الوفاة ٧٥، والطبراني: المعجم الكبير ٧: ٥٦.
(٢) أحمد: المسند ٥: ١٨٥ بإسناد صحيح، وابن أبي شيبة: المصنف ٤: ٥٦١، وابن سعد: الطبقات الكبرى ٣: ٢١٢، والبلاذري: أنساب الأشراف ٦٥، والطبراني: المعجم الكبير ٥: ١١٤. وصححه ابن كثير (البداية والنهاية ٥: ٢٨١).
(٣) الطبري: تأريخ ٣: ٢٢١ - ٢٢٢ عن أبي مخنف.
(٤) البخاري: الصحيح ٨: ٢١١ و٥: ٨.
[ ٥٠ ]
يصلي بالناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر" (١). وذكرهم بموقفه في حادثة الهجرة، ثم بايعه عمر وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار (٢).
"ومن استعراض الروايات الصحيحة لاجتماع السقيفة ومبايعة أبي بكر خليفة يتبين أن الاجتماع لم يدم طويلًا، ولم تجر فيه مناقشات طويلة بين المهاجرين والأنصار، أو تنافس وصراع على تولي الخلافة، أو حدَّة في الكلام أو تهديدات أو عراك بالأيدي بين المجتمعين. وهذا كله مما صورته بعض الروايات الضعيفة التي وردت عن اجتماع السقيفة، والتي تناقلها المؤلفون المعاصرون (٣) فشوَّهوا الصورة الوضاءة لذلك الاجتماع التأريخي الرفيع والذي قرر مصير الخلافة والدولة الإسلامية بحزم وترفع وإحساس كبير بالمسؤولية يستعلى على التفاهات والأهواء.
ولم يكن أبو بكر ﵁ حريصًا على الإمارة بل كان كارهًا لتوليها لما يعلمه من عظم المسؤولية أمام الله تعالى وخوفه من التقصير فيها، رغم أن الصحابة كانوا يعلمون أنه أحقهم بها، وأقواهم عليها، وقد صارح أبو بكر المسلمين بمشاعره مرارا: "والله ما كنتُ حريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلةً قط، ولا كنت راغبًا فيها، ولا سألتها الله ﷿ في سر ولا علانية، ولكني أشفقت من
_________________
(١) النسائي: السنن ٢: ٧٤ - ٧٥ وحسنه الألباني (صحيح سنن النسائي ١: ١٦٨)، وابن سعد: الطبقات الكبرى ٢: ٢٢٤ و٣: ١٧٨، وابن أبي شيبة: المصنف ١٤: ٥٦٧، وأحمد: المسند ١: ٢١٣ (ط. شاكر) وصحح إسناده أحمد شاكر، وله شاهد ١: ١٧٢ (ط. شاكر) وصححه أحمد شاكر. وأحمد: فضائل الصحابة ١: ١٨٢ بإسناد حسن.
(٢) البخاري: الصحيح ٨: ٢١١، والترمذي: الشمائل المحمدية ٣٠٨، والنسائي: فضائل الصحابة ٥، وكتاب الوفاة ٧٦.
(٣) عبد العزيز بن سليمان المقبل: خلافة أبي بكر الصديق ٤٢.
[ ٥١ ]
الفتنة، ومالي في الإمارة من راحة، ولكن قُلِّدتُ أمرًا عظيمًا مالي به من طاقة، ولا يد إلا بتقوية الله ﷿، ولوددتُ أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم" (١).
فما أعظمها من مشاعر، وما أرفع صاحبها وأوعاه بحق الله تعالى وحقوق الرعية، وما أعمق تدينه وأحسن توكله، وأجمل تواضعه وأصدق أمانيه. إنه لم يجد أمامه إلا أن يقبل تولي الخلافة ليقود الأمة في طريق الوحدة والإيمان ورفع راية الرسالة الإسلامية رغم أن نفسه لا تطاوعه في تحمل المسؤولية الجسيمة خوفًا من التقصير والتفريط .. وهكذا كان توليه الخلافة تضحية منه لصالح الإسلام وأمة الإسلام وليس مغنمًا يسعى إليه، وقد أعانه الله لصدق نيته وحسن وجهته.
وقد عرفت بيعة أبي بكر في السقيفة بالبيعة الخاصة وكانت يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة ١١ هـ، وفي اليوم التالي (الثلاثاء) (٢) خرج إلى المسجد فبايعه الناس فيما عرف بالبيعة العامة بعد خطبة ألقاها عمر بن الخطاب اعتذر فيها عن موقفه من حادثة الوفاة النبوية وإنكارها، وبين مكانة أبي بكر في الصحبة والهجرة، وأبو بكر صامت لا يتكلم، حتى انتهى عمر من خطبته وطلب من أبي بكر الصعود إلى المنبر لتلقي البيعة من الناس (٣). ويحكي شاهد عيان طريقة البيعة لأبي بكر، يجتمع عليه العصابة فيقول لهم: "بايعوني على السمع والطاعة لله
_________________
(١) أخرجه موسى بن عقبة في مغازيه (الذهبي: تأريخ الإسلام ٣: ٨، وابن كثير: البداية والنهاية ٦: ٣٤١ وقال ابن كثير: إسناده جيد، البداية والنهاية ٥: ٢٨١، والحاكم: المستدرك ٣: ٦٦ وصححه ووافقه الذهبي).
(٢) عبد العزيز المقبل: خلافة أبي بكر ٥٧ - ٥٨، والطبري: تأريخ ٣: ١٩٩، والسهيلي: الروض الأنف ٤: ٢٧٠، وابن كثير: البداية والنهاية ٥: ٢٨٦، والخزاعي: تخريج الدلالات السمعية ٣٦، وابن حجر: فتح الباري ٨: ١٢٩.
(٣) البخاري: الصحيح ٩: ١٠٠، وعبد الرزاق: المصنف ٥: ٤٣٧.
[ ٥٢ ]
ولكتابه ثم للأمير" (١).
وبعد البيعة العامة هذه، خطب أبو بكر في الناس قائلًا: "إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأتُ فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه- إن شاء الله-، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه- إن شاء الله-. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم اللهُ بالبلاء. أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله، فإذا عصيتُ الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله" (٢).
وقد تضمنت الخطبة الوجيزة هذه علاقة الحاكم بالمحكومين، فبين أن مجيئه للخلافة بإرادة الأمة وبتعاقد واضح، الطاعة من الناس مقابل التزام الحاكم بالشريعة، ورقابة الأمة على سياسته، وإعانته في الخير، وتصحيح سياسته إذا انحرف، كما فيها بيان الالتزام بإقامة العدل والجهاد وتنظيف المجتمع من الانحراف الخلقي، بالإضافة إلى ما تكشف عنه مقدمة الخطبة من تواضع الصديق الجم.
والحق أن انتخاب أبي بكر للخلافة يوضح استعلاء قيم الإيمان وخضوع مقاييس الشخصية لها، لأن أبا بكر من تيم، وتيم من أضعف عشائر قريش.
وتدل الروايات الصحيحة على غضب علي بن أبي طالب لعدم استشارته في أمر الخلافة، بل تشير رواية الصحيحين على أن بيعته تأخرت ستة أشهر، وتربط بين
_________________
(١) الحارث بن أبي أسامة: المسند بإسناد حسن (الهيثمي: بغية الباحث ٣: ٧٥٣).
(٢) ابن هشام: السيرة النبوية ٤: ٦٦ وصحح إسناده ابن كثير (البداية والنهاية ٥: ٢٨٠ و٦: ٣٤٠). وعبد الرزاق: المصنف ١١: ٣٣٦ من طريق معمر قال: حدثني بعض أهل المدينة (بعض أصحابي).
[ ٥٣ ]
عدم استجابة الصديق لطلب فاطمة بنت الرسول ﷺ أن ترث "ما أفاء الله على رسوله بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر"، واحتج أبو بكر بحديث "لا نورث ما تركنا صدقة". وقد غضبت فاطمة وقاطعته حتى توفيت، فبايع علي أبا بكر بعد وفاتها في المسجد بعد صلاة الظهر (١). فهذا أقوى ما ورد في بيعة علي لأبي بكر ﵄، ولكن صحت روايات أخرى تفيد بأنه بايع في اليوم الذي جرت فيه البيعة العامة، وأنه وضح سبب غضبه بقوله: "ما غضبنا إلا لأنَّا أخِّرنا عن المشاورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله ﷺ، إنه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنا لنعلم بشرفه، وكبره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي" (٢).
وجمع ابن كثير وابن حجر بين الأحاديث الصحيحة بأن عليًا بايع أول الأمر مع الناس ثم بايعه بعد وفاة فاطمة تأكيدًا للأولى وإزالة لما حدث من جفوة بسبب الاختلاف حول الميراث (٣).