عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح، من بني عدي بن كعب إحدى عشائر قريش. وأمه حنتمة بنت هاشم المخزومية (١) ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة (٢).
كان طويل القامة، ضخم الجسم، كثير شعر البدن، وقد انحسر شعره عن جانبي رأسه، أبيض البشرة، شديد الحمرة، يخضب شيبه بالحناء، له شارب كثيف، أعسر يسر- وهو الذي يعمل بيديه جميعًا- (٣).
وكان قد بلغ الثلاثين من عمره وقت المبعث النبوي (٤). فكان شديدًا على
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٤: ٢٦٥، وأبو نعيم: معرفة الصحابة ١: ١٩٠ - ١٩١ مع الحاشية رقم ٣، وابن حجر: الإصابة ٤: ٥٨٨.
(٢) ابن حجر: الإصابة ٤: ٥٨٨، وانظر اذكره الواقدي من أن مولده- كما ذكر عمر عن نفسه- قبل الفجار الآخر بأربع سنين (ابن سعد: الطبقات ٣: ٢٩٦، وابن شبة: تاريخ المدينة ٢: ٦٦١)
(٣) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٢٦٠ - ٢٦١ بأسانيد ترقى بمجموعها إلى الحسن، وابن سعد: الطبقات الكبرى ٣: ٣٢٤، والطبراني: المعجم الكبير ١: ١٩، ومسلم: الصحيح ٤: ١٨٢١، والحاكم: المستدرك ٣: ٨١ بإسناد حسن إلى زر بن حبيش، وابن حجر: الإصابة ٤: ٥٨٩، وأبو نعيم: معرفة الصحابة ١: ٢٠٣، ٢٠٦.
(٤) ابن حجر: الإصابة ٤: ٥٨٨.
[ ٧٥ ]
المسلمين (١)، ودعا له النبي ﷺ بالهداية فأسلم (٢) في السنة السادسة من البعثة (٣)، فاعتز به الإسلام. وجهر بإسلامه فتعرض له المشركون وقاتلهم وقاتلوه (٤). وقد عرف في الجاهلية بالفصاحة والشجاعة، وعرف في الإسلام بالقوة والهيبة، والزهد والتقشف (٥)، والعدل والرحمة، والعلم والفقه (٦) وكان مسدد القول والفعل (٧). وقد روى عن النبي ﷺ خمسمائة حديث وسبعة وثلاثين حديثًا (٨). وقد وافقه القرآن في عدة آراء اقترحها على رسول الله ﷺ منها اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، وحجاب أمهات المؤمنين، ونصحه لأمهات المؤمنين قبل نزول آية التخيير (٩)، وقد بشره رسول
_________________
(١) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٢٧٨، ٢٧٩.
(٢) الترمذي: السنن ٥: ٦١٧، وابن حبان: الإحسان ٩: ١٧.
(٣) ابن حجر: فتح الباري ٧: ٢١٦ - ٢١٧.
(٤) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٢٨٢.
(٥) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٣٣٠ الرواية رقم ٤٧١، وابن سعد: الطبقات ٣: ٣٢٧، ٣٢٨، وأبو نعيم: معرفة الصحابة ١: ٢٢٣.
(٦) البخاري: الصحيح (فتح الباري ١٢: ٤١٠)، وأحمد: فضائل الصحابة ١: ٣٣٠ الرواية رقم ٤٧٢ بإسناد صحيح و١: ٣٤٤ الرواية رقم ٤٩٦ بإسناد صحيح و١: ٣٦٢ الرواية رقم ٥٣٠ وأبو داؤد: السنن ٣: ١٢٧، والهيثمي: مجمع الزوائد ٩: ٦٩، ٧٧.
(٧) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٩٨، ٢٤٨، ٢٤٩ بأسانيد صحيحة وحسنة.
(٨) بقي بن مخلد ص ٨١.
(٩) البخاري: الصحيح (فتح الباري ١: ٥٠٤ و٨: ١٦٨)، ومسلم: الصحيح ٤: ١٨٦٥. وآية
[ ٧٦ ]
الله ﷺ بالجنة (١)، وبشره بالشهادة (٢) وبما سيكون على يده من خير، ووصفه بالعبقري "لم أر عبقريًا يفري فريه" (٣). وبين أنه إن كان في الأمة محدث- بمعنى ملهم- فهو عمر (٤). وأمر النبي ﷺ أصحابه بالاقتداء بأبي بكر وعمر (٥).
وكان مقربًا إلى رسول الله ﷺ يستشيره في المهمات، شهد معه المشاهد كلها، وقد صاهره بالزواج من ابنته حفصة أم المؤمنين، وكان أبو بكر يستشيره كثيرًا، وهو الذي أشار عليه بجمع القرآن (٦)، وقد عهد إليه بالخلافة بعد مشاورة كبار الصحابة ورضاهم (٧). ولقب بأمير المؤمنين (٨).
وقد أطهر عمر في خلافته حسن السياسة، والحزم والتدبير، والتنظيم للإدارة والمالية، ورسم خطط الفتح وسياسة المناطق المفتوحة، والسهر على مصالح الرعية، وإقامة العدل في البلاد، والتوسع في الشورى، "وكان القراء
_________________
(١) التخيير هي الخامسة من سورة التحريم.
(٢) البخاري: الصحيح (فتح الباري ٧: ٢٢، ٤٠).
(٣) مسلم: الصحيح ٤: ١٨٨، وأحمد: فضائل الصحابة ١: ٢٥٥ بسند صحيح.
(٤) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٢٥٥، ٢٥٧، والبخاري: الصحيح ٧: ١٩، ٤١، ومسلم: الصحيح ١٨٦٢:٤.
(٥) البخاري: الصحيح ٧: ٤٢.
(٦) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٣٣٢، وابن ماجة: السنن ١: ٣٧ كلاهما بإسناد صحيح.
(٧) البخاري: الصحيح ٨: ٣٤٤، ومسلم: الصحيح ٤: ١٩١٣.
(٨) ابن سعد: الطبقات ٣: ١٩١، والبلاذري: أنساب (الشيخان) ٧٠ - ٧٣.
(٩) ابن سعد: الطبقات ٤: ٢٨١، والطبراني: المعجم الكبير ١: ١٨، وأبو نعيم: معرفة الصحابة ١: ٢٢٧، والحاكم: المستدرك ٣: ٨١.
[ ٧٧ ]
أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولا كانوا أم شبانًا" (١)، ومحاسبة الولاة (٢) وفق مبدأ "من أين لك هذا"، ومنعهم من أذى الرعية، وفتح بابه أمام شكاوي الناس (٣). وتدوين الدواوين (٤)، وتعيين العرفاء على العشائر والقبائل (٥). وابتدأ التأريخ الهجري، وكان لا يستحل الأخذ من بيت مال المسلمين إلا حلة للشتاء وأخرى للصيف وناقة لركوبه وقوته كقوت رجل متوسط الحال من المهاجرين (٦)
وتدل خطبه ورسائله إلى الولاة والقادة على بلاغته العالية وبيانه الواضح مع الإيجاز المفيد والبعد عن الإطناب والإغراب والمبالغة، وتعبر بدقة عن شعوره العميق بالمسؤولية تجاه الدين والرعية، مع حسن التوكل على الله والثقة بالنفس (٧). وقد غلبت الدولة الإسلامية في عهده الفرس والروم وحررت الهلال الخصيب ومصر، ومصرت الكوفة والبصرة والفسطاط، ومازالت في صعود وامتداد. حتى اغتاله أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة وهو يؤم المسلمين في صلاة الفجر ليلة الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ٢٣ للهجرة، بعد خلافة دامت عشر سنين وستة أشهر (٨)، وكان عمره ثلاثًا وستين سنة (٩).
_________________
(١) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٣٥١ بإسناد صحيح.
(٢) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٢٩٣.
(٣) ابن سعد: الطبقات ٤: ٢٨١.
(٤) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٣٢٨، وابن سعد: الطبقات ٣: ٣٠٠ بإسناد صحيح، ويعقوب بن سفيان: المعرفة والتأريخ ٢: ٥٨.
(٥) المصادر السابقة.
(٦) أحمد: فضائل الصحابة ١: ٤٠٥، وابن سعد: الطبقات ٣: ٢٧٥ وإسنادهما صحيح.
(٧) محمد حميد الله: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ٤٠٦ - ٥٢٨.
(٨) مسلم: الصحيح ١ - ٣٩٦ رقم ٥٦٧، وابن سعد: الطبقات ٣: ٥٦٣، وأبو نعيم: معرفة الصحابة ١: ٣٩١.
(٩) أبو نعيم معرفة الصحابة ١: ٥٩١.
[ ٧٨ ]
وأرجح أن سبب اغتياله يعود إلى الدافع الشخصي لدى قاتله المجوسي، وكان عجميا ماهرا بالصناعة وكان عمر قد نهى عن جلب الأعاجم البالغين من غير المسلمين إلى المدينة ولكن مصالح الناس أدت إلى جلبهم. (١)
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ٣ - ٣٤٩ بإسناد صحيح.
[ ٧٩ ]