يقصد بالغنائم تلك الأموال التي حازها المسلمون بالقوة، أما الأموال التي أخذت دون قتال فهي الفيء.
وقد بيَّن القرآن أن خمس الغنائم هي حصة الدولة، ولكنه حدد أوجه صرف الخمس: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) (١). وأما أربعة أخماس الغنائم الأخرى فإنها توزع على المقاتلين الذين شهدوا القتال، وبذلك فإن معظم الغنائم يتصرف بها الأفراد مما يرفع مستوى معيشتهم.
وأما الفيء فقد حدد القرآن أوجه صرفه: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) (٢). وهكذا فإن أموال الفيء كلها للدولة تتصرف في إنفاقها في التكافل الاجتماعي والتقريب بين فئات المجتمع الاقتصادية. ولما تولى أبو بكر ﵁ الخلافة جعل سهم الرسول ﷺ من الخمس في الجهاد (سبيل الله) (٣)، وأما سهم ذوي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، فولى عليه
_________________
(١) الأنفال ٤١.
(٢) الحشر ٧.
(٣) عبد الرزاق: المصنف ٥: ٢٣٨، وابن أبي شيبة: المصنف ١٢: ٤٧١ مختصرًا، والبلاذري: أنساب الأشراف ١: ٥١٦، والطبري: جامع البيان ١٠: ٧ من مرسل ابراهيم وقتادة، والنسائي: السنن ٧: ١٣٣ من مرسل الحسن بن محمد بن الحنفية، والبيهقي: السنن الكبرى ٦: ٣٤٢
[ ٢٢٣ ]
عليًا ﵁ ليقوم بقسمته (١)، ووردت روايات أخرى ضعيفة بأن أبا بكر ﵁ "لم يكن يعطي قربى رسول الله ﷺ ما كان النبي يعطيهم" (٢) أو أنه أسقط سهم ذوي القربى وجعله في الجهاد (٣).
وقد ظهرت قضية ميراث الرسول ﷺ، وكان يتصرف في حياته بأموال الفيء وفق التوجيه القرآني، فلما توفي ﵊ طالبت فاطمة ﵂ بنصيبها مما ترك من سهامه من خيبر وفدك وصدقاته بالمدينة (٤)، وهي أموال عظيمة، وقد أوضح أبو بكر أن هذه الأموال لا تورث وفق وصية النبي ﷺ: "لا نورث ما تركنا صدقة" (٥)، و"لا يقتسم ورثتي دينارًا،
_________________
(١) - أحمد: المسند ١: ٨٤ - ٨٥، وابن أبي شيبة: المصنف ١٢: ٤٧٠، وفي إسنادهم حسين بن ميمون الخندقي لين الحديث. وأبو داؤد: السنن ٣: ١٤٧، والبيهقي: السنن الكبرى ٦: ٣٤٣ والأثر يقوى بطرقه إلى الحسن لغيره.
(٢) - أبو داؤد: السنن ٣: ١٤٥، وأحمد: المسند ٤: ٨٣، والبيهقي: السنن الكبرى ٦: ٣٤٢ وإسناده صحيح، ولكن العبارة المقتبسة أعلاه مرسل الزهري أدرجت في كلام عثمان بن عفان وجبير بن مطعم (ابن حجر: فتح الباري ٦: ٢٤٥) فلا تثبت.
(٣) - عبد الرزاق: المصنف ٥: ٢٣٨، ٢٣٩، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٧٣٠، والحاكم: المستدرك ٣: ١٣٨ وإسناد الأثر ضعيف. والطبري: تفسير ١٠: ٧ وفي الإسناد علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وعبد الله بن صالح كاتب الليث صدوق كثير الغلط وفيه غفلة، لكنه ثبت في كتابه (ابن حجر: تهذيب التهذيب ٧: ٣٣٩).
(٤) - هي حدائق خمس وهبها له مخيريق.
(٥) - البخاري: الصحيح ٤: ٩٦، ومسلم: الصحيح ٣: ١٣٨١.
[ ٢٢٤ ]
ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة" (١).
والحق أن هذه الأموال ليست ملكية شخصية للرسول ﷺ مادام صرفها في أوجه يحددها القرآن، بل كان النبي ﷺ يقوم بقسمتها بوصفه رئيسًا للدولة، ومجال صرفها عام يهدف إلى تحقيق التكافل الاجتماعي بين المسلمين. ومن ثمَّ فإن الأموال تعود بعد وفاته إلى الدولة ويتولى مسؤوليتها الخليفة أو من ينيبه. لذلك قال أبو بكر لفاطمة ﵄: "من كان رسول الله ﷺ يعوله فأنا أعوله، ومن كان رسول الله ﷺ ينفق عليه فأنا أنفق عليه" (٢). فكان أبو بكر ينفق على أهل الرسول ﷺ من الفيء وما بقي يضعه في المصالح الأخرى (٣). ولم تطالب أزواج الرسول ﷺ بميراثهنَّ بعد أن ذكرتهن عائشة بحديث: "لا نورث ما تركنا صدقة" (٤).
وقد شغلت هذه القضية أهل الأخبار، فملأوا الأسفار بالروايات المفتعلة (٥). وفي خلافة عمر ﵁ عرض على بني هاشم والمطلب أن يصرف عليهم من خمس ذوي القربى في مجالات محددة "يزوج أيمهم، ويقضي دين
_________________
(١) البخاري: الصحيح ٤: ٩١، ومسلم: الصحيح ٣: ١٣٨٢. قال أبو داؤد: "ومؤنة عاملي يعني أكرة الأرض" السنن ٣: ١٤٤ (ط. محمد محيي الدين عبد الحميد).
(٢) ابن حجر: فتح الباري ٦: ٢٠٣.
(٣) المصدر السابق.
(٤) البخاري: الصحيح ٥: ١١٥ و٨: ١٨٧، ومسلم: الصحيح ٣: ١٣٧٩.
(٥) ابن سعد: الطبقات ٨: ٢٩، وحماد بن اسحق: تركة النبي ٨٦، وابن شبة: تأريخ المدينة ١: ١٩٩ - ٢٠٠، والبلاذري: أنساب الأشراف الشيخان ٥٧، والبيهقي: السنن الكبرى ٤: ٢٩
[ ٢٢٥ ]
غريمهم، فأبوا إلا أن يسلمهم الخمس جميعًا، فأبى عمر ﵁" (١).
وقد أجلى عمر ﵁ يهود خيبر إلى تيماء وأريحا (٢)، وذلك تطبيقًا لحديث: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان" (٣). وقد كثر العمال في أيدي المسلمين في خلافته، وقوي المسلمون على العمل في الأرض (٤)، فلم تعد ثمة ضرورة لاستمرار عقد المزارعة معهم. فأجلى يهود خيبر وقسم ما كان بأيديهم من أرض خيبر بين من شهد خيبر في عهد النبوة (٥). ولما كان النبي ﷺ يعطي زوجاته من خمس خيبر ثمانين وسقًا من التمر وعشرين وسقًا من الشعير، فقد خيَّرهنَّ عمر بين أن يقطع لهن من الأرض أو يعطيهنَّ مائة وسق، فاختارت عائشة
_________________
(١) - عبد الرزاق: المصنف ٥: ٢٣٨، وابن أبي شيبة: المصنف ٦: ٥١٦، ٥١٧، وأحمد: المسند ١: ٣٢٠، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٧٣٥، ٧٣٦، وأبو يعلى: المسند ٤: ٤٢٣، ٤٢٤ و٥: ٤١، وأبو عوانة: المسند ٤: ٣٣٠، ٣٣١، وابن حبان: الإحسان ٧: ١٥٧ والأثر صحيح.
(٢) - البخاري: الصحيح ٢: ٤٨، ومسلم: الصحيح ١٠: ٢١٢، وعبد الرزاق: المصنف ٦: ٥٥ و٨: ٩٨ و١٠: ٣٥٩، وابن زنجويه: الأموال ٣: ١٠٦٧، ١٠٦٨، وابن الجارود: المنتقى ١٦٦، ١٦٧، ٢٧٨، والبيهقي: دلائل النبوة ٤: ٢٣٤، والسنن ٦: ١١٤، ١٣٥.
(٣) - عبد الرزاق: المصنف ٤: ١٢٥، ١٢٦ و٦: ٥٦، والبزار: المسند ٢: ٩٤، ٩٥، والبيهقي: السنن الكبرى ٩: ٢٠٨ والحديث صحيح.
(٤) - أبو عبيد: الأموال ٦١، ٦٢، وابن شبة: تأريخ المدينة ١: ١٨٨، والبلاذري: ٣٨، ٣٩ والأثر إسناده ضعيف.
(٥) - البلاذري: فتوح البلدان ٢٧، وابن حبان: الإحسان ١١: ٦٠٩، والبيهقي: السنن ٦: ١١٤
[ ٢٢٦ ]
وحفصة الأرض (١).
وأمسك عمر ﵁ ما جعله النبي ﷺ لنوائبه وحوائجه من شطر خيبر ونصيبه من خمس خيبر، وجعل التصرف فيهما لولي الأمر (٢) كذلك أجلى عمر ﵁ يهود فدك بعد أن عوضهم عن أرضهم، وجعلها تحت تصرف ولي الأمر، وكانت في عهد النبوة قد حبست مواردها لأبناء السبيل (٣).
وأما الفيء من أرض بني النضير، فكان الرسول ﷺ يعطي أهله نفقة سنتهم منها، والباقي ينفقه في صالح الدولة.
وقد أمضى أبو بكر ﵁ هذه السياسة، ثم أمضاها عمر ﵁ سنتين من خلافته، ثم دفعها للعباس ولعلي ﵄ بشرط إمضاء سياسة النبي ﷺ فيها (٤)، وهذا توكيل منه لهما على الأرض وليس تمليكًا.