إن عمل الخلفاء الراشدين منه ما أتفق عليه الصحابة فهو إجماع ملزم لمن بعدهم من الأجيال، ومنه ما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد فحكمه حكم السنة المرفوعة ومنه ما مجاله الاجتهاد وخالفهم فيه آخرون من الصحابة، لكنهم أذعنوا لاجتهاد الخلفاء لأنهم "أولوا أمر" تجب طاعتهم، وهذا القسم اختلف الأصوليون في حجيته، فمنهم من رآه حجة على الأجيال التالية فيعمل به ما لم يخالف كتابًا ولا سنة، وكلام الإمام أحمد في إحدى الروايتين يدل على أن قولهم حجة (١)، فهو لا يخرج عن قولهم إلى قول غيرهم.
ويقدم الشافعي قول الخلفاء الراشدين على قول غيرهم من الصحابة، فإذا اختلف الصحابة على قولين، وكان الخلفاء الراشدون مع أحد الفريقين، يصار إلى قول الخلفاء الأربعة، ولكن نقل عن الشافعي أيضًا أن الفريقين من الصحابة سواء. ويحتاج الترجيح بينهما إلى مرجح (٢).
قال الشافعي: "ما كان الكتاب أو السنة موجودين، فالعذر على من سمعهما مقطوع إلا بإتباعهما، فإن لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله ﷺ أو واحد منهم، ثم كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان﵃- أحب إلينا إذا صرنا إلى التقليد، وذلك إذا لم تجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة، فنتبع القول الذي معه الدلالة، لأن قول
_________________
(١) الموفق: روضة الناضر ١: ٣٦٦، والعلائي: إجمال الإصابة في أقوال الصحابة ٤٧.
(٢) الزركشي: البحر المحيط ٤: ٤٩٠ - ٤٩٢.
[ ٩٣ ]
الإمام مشهور بأنه يلزم الناس" (١).
وذكر القاضي في "التقريب" أن القائلين بترجيح قول الخلفاء الراشدين على قول غيرهم لفضل سبقهم وتعددهم وطول صحبتهم وقال: "وعندنا أن الترجيح إنما يطلب به غلبة الظن لا العلم" (٢).
"وقد أجمعت الصحابة على جواز مخالفة بعضهم بعضًا، حتى لم ينكر أحد من الخلفاء الراشدين على من خالفه"، وأما حديث "إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٣) "فالمراد به الاقتداء بهما في سيرتهما وعدلهما ونحو ذلك، لا على أن قولهما حجة يلزم اتباعها، لأن مذهب الصحابي ليس حجة على صحابي آخر اتفاقًا، لاسيما في الخلفاء الأربعة بعضهم مع بعض" (٤) وقد علَّق الخطابي على حديث "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" (٥) بقوله فيه: "دليل على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولًا وخالفه فيه غيره من الصحابة، كان المصير إلى قول الخليفة أولى" (٦).
_________________
(١) الشافعي: الأم ٧: ٢٦٥، والعلائي: إجمال الإصابة في أقوال الصحابة ٣٨.
(٢) الزركشي: البحر المحيط ٤: ٤٩٠ - ٤٩٢.
(٣) الترمذي: سنن ٣٦٦٣ وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة ٣: ٢٣٥).
(٤) نقله العلائي (إجمال الإصابة ٦٣).
(٥) أخرجه الترمذي: السنن، كتاب العلم، حديث رقم ٢٦٧٦ واللفظ له، وقال هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني: صحيح سنن الترمذي ٢: ٣٤٢، وأخرجه أبو داؤد: السنن ٥: ١٣ حديث رقم ٤٦٠٧، وأحمد: المسند ٤: ١٢٦ - ١٢٧، والحاكم: المستدرك ١: ٩٦ - ٩٧ وقال: صحيح على شرط الشيخين، وصححه أيضًا الحافظ أبو نعيم الأصبهاني وأبو العباس الدغولي وغيرهما، كما نقله العلائي في إجمال الإصابة ٤٩.
(٦) الخطابي: شرح سنن أبي داؤد ٧: ١٢.
[ ٩٤ ]
وقال ابن القيم معقبا على الحديث: "فقرن سنة خلفائه بسنته وأمر باتباعها كما أمر باتباع سنته، وبالغ في الأمر بها، حتى أمر بأن يعض عليها بالنواجذ، وهذا يتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم، لأنه علَّق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون، ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد، فعلم أن ما سنَّه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين" (١).
وذكر محمد الأمين الشنقيطي قول طائفة من أهل العلم بأن المراد بالأمر بالاقتداء بهم هو المقلد، وأما المجتهد العارف بالدليل فليس بمأمور بترك الدليل الظاهر له إلى قول غيره. ثم قال الشنقيطي: "واعلم أن التحقيق أنه لا يخصص النص بقول الصحابي إلا إذا كان له حكم الرفع، لأن النصوص لا تخصص باجتهاد أحد، لأنها حجة على كل من خالفها" (٢).
ولا شك أن ما أجمع عليه الصحابة أولى بالاعتبار من إجماع من بعدهم لأن مرتبتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم المداهنة تقتضي بأن يكون سكوتهم دليلًا على الموافقة، فإن لم يعتبر إجماعا فالظاهر أنه حجة (٣). فإذا سن أحد الخلفاء الراشدين سنة وسكتوا فلم يعترضوا عليه، فسنته حجة على رعيته وإن لم تكن إجماعًا لأن طاعته لازمة، وحرصه على الشورى كبير، ولا يمتنع تبديل هذه السنة بعده من قبل إمام هدى يعمل بالشورى وتجب له الطاعة، فقد خالف عمر سنة الصديق في كيفية قسمة العطاء، وهكذا فعل عثمان مع سنة عمر، وجمع أبي بكر القرآن، وجمع عمر الناس في التراويح، وحظى الإجراءان بإجماع الصحابة، ووحَّد عثمان المصاحف عندما قام بالجمع الثاني، وكانت أعمالهم هذه لازمة
_________________
(١) ابن القيم: إعلام الموقعين ٤: ١٤٠.
(٢) محمد الأمين الشنقيطي: مذكره أصول الفقه ١٦٦.
(٣) العلائي: إجمال الإصابة في أقوال الصحابة ٣٢.
[ ٩٥ ]
لرعيتهم وإن لم تكن ملزمة لمن بعدهم من الخلفاء ورعيتهم إلا أن تكون إجماعا ..
قال الدكتور عبد الكريم زيدان عند كلامه عن قول الصحابي الصادر عن رأي واجتهاد: "ذهب بعض العلماء إلى أن قوله- قول الصحابي- حجة شرعية، وعلى المجتهد أن يأخذ بقول الصحابي إذا لم يجد الحكم في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع، واذا اختلف الصحابة، فعليه أن يتخير من أقوالهم. وذهب البعض الآخر من العلماء إلى أنه ليس بحجة شرعية، ولا يلزم المجتهد أن يأخذ بقول الصحابي، بل عليه أن يأخذ بمقتضى الدليل الشرعي والذي نرجحه أن قول الصحابي ليس حجة ملزمة، ولكن نميل إلى الأخذ به حيث لا نص في الكتاب ولا في السنة ولا في الاجماع، ولا يوجد في المسألة دليل آخر معتبر، ففي هذه الحالة نرى أن الأخذ بقول الصحابي أولى" (١).
وأما من رأى أن سنة الخلفاء الراشدين حجة معتمدة فإنه لم يسوي بينها وبين سنة النبي ﷺ في الحجيَّة، بحيث يقع التعارض بينهما، ويعدل إلى الترجيح، قال العلائي: "لا يلزم من كون سنتهم حجةَّ معتمدة أن يكون لها هذه المساواة، بل يجوز أن تكون مأمورًا باتباعها والعمل بها بشرط عدم وجود سنة للنبي ﷺ قدمت على سنتهم، كما أن القياس حجة شرعية، وهو متأخر في الرتبة عن الكتاب والسنة" (٢).
_________________
(١) عبد الكريم زيدان: الوجيز في أصول الفقه ٢٦١ - ٢٦٢.
(٢) العلائي: إجمال الاصابة
[ ٩٦ ]