قامت الدولة الإسلامية في خلافة الصديق ﵁ بجباية أموال الزكاة عن طريق إرسال المصدقين إلى أرجاء الجزيرة التابعة لها، وقد أعاقت حركة الردة أعمال الجباية من معظم المناطق سوى الحجاز وجواثا- قرية بالبحرين- والقبائل
_________________
(١) - أبو هلال العسكري: الأوائل ١: ٢٧٢ بسند ضعيف.
(٢) - ابن سعد: الطبقات ٣: ٥٨ وكلا الثمنين من طريق الواقدي وهو متروك في الحديث، غزير المعرفة التأريخية لا يستغنى عنه في التأريخ.
(٣) - ابن شبة: تأريخ المدينة ٣: ١٠٢٣ بسند مرسل.
(٤) - ابن شبة: تاريخ المدينة ٣: ١٠٢١ بسند منقطع قبل السعدي. والطبراني: المعجم الكبير ١: ١٥٨ - ١٥٩ بسند مرسل. والحاكم: المستدرك ٣: ٥٩٧ ونقد الذهبي متنه.
[ ٢٠٩ ]
التي حافظت على إسلامها وولائها للدولة، وقد قاتلت جيوش الخلافة المرتدين سنة وأشهرًا حتى أعادتهم إلى الإسلام والطاعة، وكان ذلك الموقف الحازم من الخليفة الراشد سببًا لإعادة توحيد الدولة، وتطبيق الشريعة على الناس، ولما رأى بعض الصحابة عدم مقاتلة المرتدين ومنهم عمر بن الخطاب واحتجوا بالحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله". فأوضح لهم أبو بكر الفهم الصحيح للأحاديث بالجمع بينها قائلًا: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا (وفي رواية: عقالًا) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها". قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق (١). ورجع الصحابة جميعًا إلى رأي أبي بكر (٢). وكان اعتراضهم على قتال مانعي الزكاة فقط لأنهم متأولون للآية: (خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) (٣). فزعموا أن دفع الزكاة خاص به ﷺ لأن غيره لا يطهرهم، ولا يصلي عليهم، فكيف تكون صلاته سكنًا لهم!! ولم ينكروا الزكاة جحودًا، فلا يخرجهم التأويل عن الإسلام، وهؤلاء لم يقاتلهم أبو بكر إلا بعد أن دعاهم إلى الرجوع إلى دفع الزكاة، فلما أصروا قاتلهم. وأما الجاحدون للزكاة فيخرجون من الإسلام بإنكارهم فريضة من أركانه، وليس اعتراض الصحابة على قتالهم ولا على قتال أتباع مسيلمة وغيره من
_________________
(١) البخاري: الصحيح ٢: ١٣١، ١٤٧ و٩: ١٩، ١١٥. ومسلم: الصحيح ١: ٥١.
(٢) الكلاعي: الاكتفا (حروب الردة) ٣٨، وسعيد بن منصور: السنن ٢: ٣٢٢، والبيهقي: السنن الكبرى ٨: ١٧٧.
(٣) التوبة ١٠٣.
[ ٢١٠ ]
أدعياء النبوة (١).
ولا شك أن العام الأول من خلافة الصديق شهد انخفاضًا كبيرًا في موارد الزكاة، فقد دفعت فروع من تميم صدقاتها وهي الرِّباب بن عوف والأبناء من بني سعد بن تميم، وهي سبعمائة بعير قيمتها حوالي خمسة وثلاثون ألف درهم (٠٠٠، (٣٥) درهم) (٢). ودفعت طي زكاتها ثلاثمائة بعير تساوي خمسة عشر ألف درهم (٠٠٠، (١٥) درهم) (٣).
وقد دفعت القبائل التي ثبتت على الإسلام الزكاة، بعضها صرحت المصادر بدفعها الزكاة وهي مقاعس والبطون من بني سعد من تميم، وبني مالك من بني يربوع من تميم، وقوم الهيثم السلمي، وجمع من مهرة بن حيدان، وأسلم وغفار ومزيفة وجهينة وأشجع (٤). وبعضها ذكرت المصادر ثباتها على الإسلام دون التصريح بدفعها الزكاة، ولكن لا شك في أنها دفعت الزكاة وهي ثقيف وهذيل والديل وكنانة وأهل السراة وبجيلة وخثعم وهوازن وجشم وسعد بن بكر وعبد القيس (من تجيب)، ومذحج إلا بنو زيد، وهمدان والأبناء (٥).
وينبغي الاشارة إلى نفقات الدولة الكثيرة في حروب الردة لابد أنها اعتمدت
_________________
(١) ابن حجر: فتح الباري ١٢: ٢٧٦، ٢٧٧ و٣: ٣٦٦.
(٢) ابن قتيبة: المعارف ٣٠٢.
(٣) الكلاعي: الاكتفا (حروب الردة) ٤٥، ٤٧، ٤٩، ٥١. والديار بكري: تاريخ الخميس ٢: ٢٠٣.
(٤) الطبري: تأريخ ٣: ٢٦٨ عن سيف، ٢٧٦. وابن أبي الدنيا: الأشراف في منازل الأشراف ٢٠٥. وابن حجر: الإصابة ٣: ٦١٥، ٦٣٦. وقدامة بن جعفر: الخراج ٢٧٧. والكلاعي: الاكتفا (حروب الردة) ٤٤٧. والديار بكري: تأريخ الخميس ٢: ٢٠٣.
(٥) العيني: عمدة القاري ٧: ١٧١ عن كتاب الردة للواقدي.
[ ٢١١ ]
على موارد الغنائم من ناحية والزكاة التي تضاءلت كثيرًا من ناحية أخرى.
وكذلك لابد من الإشارة إلى أن أبا بكر ﵁ كان يأخذ الزكاة من الأموال الظاهرة والباطنة، وكان يسأل الرجل عندما يسلمه العطاء إن كان عنده مال عليه زكاة، فإذا قال: نعم. استقطع الزكاة من عطائه (١).
وفي خلافة عمر ﵁ سار على نهج النبي ﷺ وأبي بكر ﵁، في إرسال المصدقين لجمع الزكاة من أرجاء الدولة الإسلامية، وقد أسلم الكثير من سكان الأقطار المفتوحة، ونمت رؤوس أموال المسلمين في خلافته نتيجة الفتح ومكاسبه والتجارة الحرة في ظل الأمن وقوة الدولة الإسلامية، ولا شك أن هذه العوامل أدت إلى زيادة عظيمة في مقادير الزكاة. وكان العدل في الجباية ظاهرًا دون الإخلال بحقوق بيت المال، ولم يكن موعد جباية الزكاة متفقًا مع موعد دفع العطاء، إذ لا يحول الحول على أموال الرعية في وقت العطاء، لذلك لم تكن الدولة تأخذ الزكاة من العطاء (٢)، وكان سفيان بن عبد الله الثقفي مصدقًا، فكان يحصي جميع الغنم حتى الوليدة ولكنه لا يأخذها في الزكاة، فجادله أصحاب الغنم، فسأل المصدق عمر ﵁ فدله على أخذ الغنم المتوسطة دون سخالها ولا خيارها (٣).
وهذا يتفق مع السنة "وإياك وكرائم أموالهم" (٤)، وقد أنكر عمر رضي الله
_________________
(١) مالك: الموطأ ١: ٢٤٥ وفه انقطاع نبَّه عليه ابن حجر (كنز العمال ٦: ٥٣٠).
(٢) أبو عبيد: الأموال ٤١٧، وابن زنجويه: الأموال ٣: ٩٢٠، وابن أبي شيبة: المصنف ٢: ٤٠٧، والأثر صحيح.
(٣) مالك: الموطأ ١: ٢٥٤، وعبد الرزاق: المصنف ٤: ١٠، ١١، ١٤، ١٥. وابن زنجويه: الأموال ٢: ٨٥٧، والبيهقي: السنن ٤: ١٠٠ - ١٠٣ والأثر صحيح.
(٤) البخاري: الصحيح (فتح الباري ٣: ٢٦١).
[ ٢١٢ ]
عنه على عامل الصدقات أخذه لشاة كثيرة اللبن ذات ضرع عظيم قائلًا: "ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس!! " (١).
وقد توسعت ملكية الرقيق والخيل في أيدي المسلمين، فاقترح الصحابة فرض الزكاة على الرقيق والخيل (٢)، فعدَّ عمر الرقيق والخيل من أموال التجارة، وفرض على الرقيق الصبيان والكبار دينارًا (عشرة دراهم) وعلى الخيل العربية عشرة دراهم، والبراذين (الخيل غير العربية) خمسة دراهم. ويفهم أنه لم يفرض الزكاة في رقيق الخدمة والخيل المعدة للجهاد لأنها ليست من عروض التجارة، بل إنه عوض من يدفع زكاتهما كل شهر جريبين (حوالي (٢٠٩) كيلوغرام من القمح) وهو أكثر قيمة من الزكاة (٣)، وذلك لحديث "ليس على المسلم في فرسه ولا عبده صدقة" (٤) وقد أخذ من الركاز (المال المدفون) - إذا عثر عليه- الخمس (٥).
وحرص على تداول الأموال وتشغيلها لئلا تذهب بها الزكاة مع تعاقب الأعوام. فكان عنده مال ليتيم فأعطاه للحكم بن العاص الثقفي ليتجر به (٦)، إذ لم
_________________
(١) مالك: الموطأ ١: ٢٥٦، وابن أبي شيبة: المصنف ٢: ٣٦٢، وابن زنجويه: الأموال ٣: ٨٨٥ - ٨٨٦، والبيهقي: السنن ٤: ١٥٨ والأثر حسن.
(٢) ابن سعد: الطبقات الكبرى ١: ١٥٢، وابن أبي شيبة: المصنف ٢: ٣٨١ بإسناد صحيح. وأبو عبيد: الأموال ٢٦١، ٢٦٢، ٤٦٨، ٤٦٩. وابن زنجويه: الأموال ٣: ١٠٢٦ والأثر صحيح.
(٣) ابن زنجويه: الأموال ٣: ١٠٢٤، والطبري: تهذيب الآثار ٢١٢. والأثر صحيح.
(٤) صحيح الترمذي ١: ١٩٦ وقال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم.
(٥) عبد الرزاق: المصنف ٥: ٢٢٦، ٢٢٧، وابن أبي شيبة: المصنف ٢: ٤٣٦ و٦: ٤٣٤، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٧٤٩، ٧٥٠. وتتعاضد الطرق لتقوية الأثر إلى الحسن.
(٦) ابن زنجويه: الأموال ٣: ٩٩٠ والأثر صحيح.
[ ٢١٣ ]
يجد عمر وقتًا للتجارة وقد زحمته مسؤوليات الخلافة. وعندما صار الربح وفيرًا (من عشرة آلاف درهم- (٠٠٠)، (١٠) درهم- إلى مائة ألف درهم- (٠٠٠)، (١٠٠) درهم-) شك عمر في طريقة الكسب، ولما علم أن التاجر استغل صلة اليتيم بعمر رفض جميع الربح واسترد رأس المال حيث اعتبر الربح خبيثًا!! (١). فهو يعمل بمبدأ فرضه على ولاته وهو رفض استغلال مواقع المسؤولية في الدولة، ومن هنا قاسم الولاة ثروتهم إذا نمت بالتجارة.
وقد أخذ عمر زكاة الزروع العشر فيما سقته الأمطار والأنهار ونصف العشر فما سقي بالآلة (٢)، وهو الموافق للسنة (٣). وكان يوصي بالرفق بأصحاب البساتين عند تقدير الحاصل من التمر (٤). وأخذ زكاة عشرية من العسل إذا حمت الدولة وادي النحل لمستثمره (٥).
وقد كثرت الحنطة في خلافته، فسمح بإخراج زكاة الفطر من الحنطة بنصف وزن ما كانوا يؤدونه قبل خلافته من الشعير أو التمر أو الزبيب (٦). وهذا فيه
_________________
(١) - عبد الرزاق: المصنف ٤: ٦٧، ٦٨، وأبو عبيد: الأموال ٤٥٥ والأثر صحيح.
(٢) - عبد الرزاق: المصنف ٤: ١٣٤، ١٣٥ والأثر صحيح.
(٣) - البخاري: الصحيح (فتح الباري ٣: ٣٤٧).
(٤) - عبد الرزاق: المصنف ٤: ١٢٩، وابن أبي شيبة: المصنف ٢: ٤١٤ والأثر صحيح.
(٥) - أبو داود: السنن ٢: ١٠٩، والنسائي: السنن ٥: ٤٦، والدارقطني: السنن ٤: ٢٣٨، والبيهقي: السنن ٤: ١٢٦ والأثر حسن. وانظر أثرًا آخر في عبد الرزاق: المصنف ٤: ٦٢، وابن أبي شيبة: المصنف ٢: ٣٧٣ وهو اثر حسن أيضًا. ويقوى الأثران إلى الصحيح لغيره في فرض الزكاة العشرية على العسل الذي تحميه الدولة للمستثمر.
(٦) - ابن زنجويه: الأموال ٣: ١٢٤٣ والأثر حسن.
[ ٢١٤ ]
تيسير على الناس، وقبول للمال الأنفس في الزكاة وإن تفاوت الجنس (١).
وقد ذكرت المصادر أسماء عدد من المصدقين في خلافة عمر ﵁ وهم:
١ - أنس بن مالك (٢).
٢ - سعيد بن أبي ذباب، على السراة (٣)
٣ - حارثة بن مضرب العبدي (٤).
٤ - عبد الله بن الساعدي (٥).
٥ - سهل بن أبي حثمة (٦).
_________________
(١) وانظر ما رواه أبو داود: السنن ٢: ١١٢ حيث نسب ذلك إلى عمر من طريق مولاه نافع، في حين أن سبعة من أصحاب نافع نسبوه إلى معاوية (مسلم: التمييز ٢١١، ٢١٢). وراجع البخاري: الصحيح (فتح الباري ٣: ٣٧٢) في نسبته إلى معاوية.
(٢) - ابن حجر: فتح الباري ٣: ٣١٣.
(٣) - عمر بن شبة: تأريخ المدينة ٣: ٨٥٤، ٨٥٥ والأثر صحيح. وأبو عبيد: الأموال ٤٢٧، وابن زنجويه: الأموال ٣: ٩٣٤ والأثر حسن.
(٤) - ابن أبي شيبة: المصنف ٢: ٣٧٣، وابن زنجويه: الأموال ٢: ١٠٩١، والبزار: المسند ١: ٤١٥، ٤١٦.
(٥) - ابن أبي شيبة: المصنف ٢: ٣٩٤ والأثر صحيح.
(٦) - مسلم: الصحيح ٢: ٧٢٣، والنسائي: السنن ٥: ١٠٣ - ١٠٥.
(٧) - عبد الرزاق: المصنف ٤: ١٢٩، وابن أبي شيبة: المصنف ٢: ٤١٤، والبيهقي: السنن ٤: ١٢٤ والأثر صحيح.
[ ٢١٥ ]
٦ - مسلمة بن مخلد الأنصاري (١).
٧ - معاذ بن جبل، على بني كلاب (٢).
٨ - سعد الأعرج، على اليمن (٣).
٩ - سفيان بن عبد الله الثقفي، كان واليًا على الطائف فكان يجبي زكاتها (٤) وفي خلافة عثمان ﵁ جرى تعديل على جباية الزكاة، حيث ترك للناس إخراج زكاة الأموال الظاهرة (العين وهي الذهب والفضة) دون تسليمها للدولة (٥)، ويعلل ذلك بأنه أراد رفع المشقة والحرج عن الناس من تفتيش سعاة السوء، ففوض الناس بإخراجها (٦). أما زكاة المواشي والنخل فاستمرت الدولة بجبايتها.
ولابد أن هذا الإجراء قلص موارد بيت المال من الزكاة، ولكنه ما كان ليؤثر كثيرًا في التكافل الاجتماعي بين الناس حيث أن الزكاة فريضة دينية، والمجتمع كان على وعي كبير بالإسلام ورغبة صادقة في تنفيذ تعاليمه.
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ٣: ٣١٣، وابن زنجويه: الأموال ٣: ١١٩٢ والأثر ضعيف.
(٢) أبو عبيد: الأموال ٥٨٩، ٥٩٠ والأثر ضعيف.
(٣) عبد الرزاق: المصنف ٤: ١٣، وابن أبي شيبة: المصنف ٢: ٣٦٨، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٨٧٣، ٨٧٦ والأثر ضعيف.
(٤) مالك: الموطأ ١: ٢٥٤، وعبد الرزاق: المصنف ٤: ١٠، ١١، ١٤، ١٥، وابن أبي شيبة: المصنف ٢: ٣٦٨، والبلاذري: فتوح البلدان ٩٦.
(٥) أبو عبيد: الأموال ٥٣٤ بسند صحيح.
(٦) السرخسي: المبسوط ٢: ١٦٩، وانظر: أبا عبيد: الأموال ٥٠٩ رقم ١٨١٧.
[ ٢١٦ ]