تمت بيعة عثمان ﵁ بعد اجتماع مجلس الشورى الذي عينه عمر ﵁ حين طُعن، وأعضاءه الستة هم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن
_________________
(١) عليكم؟ .. وإني قد استخلفت عمر فاسمعوا له وأطيعوا. فقالوا: سمعنا وأطعنا (ابن أبي شيبة: المصنف ١٢: ٣٨ وفي إسناده الصلت بن بهرام عزيز الحديث، وثقه ابن حبان وسكت عنه البخاري وابن أبي حاتم، ثم إن الخبر منقطع راويه سيار أبي الحكم ت ١٠٢ هـ. والطبري: تأريخ ٣: ٤٢٨ وفي إسناده محمد بن حميد الرازي ضُعِّف، ثم هو مرسل لأن راويه أبا السفر لم يلق أبا بكر وعمر).
(٢) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٣: ١٩٩ - ٢٠٠ عن الواقدي، وعنه نقلت المصادر الأخرى أيضًا، والبلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان) ٧٠، والطبري: تأريخ ٣: ٤٢٨ - ٤٢٩ باختصار وابن الجوزي: مناقب عمر بن الخطاب ٥٤ باختصار.
(٣) الطبري: تأريخ ٣: ٤٢٩ بإسناد من رواية عبد الرحمن بن عوف- وهو شاهد عيان-.
[ ٥٦ ]
العوام، ويحضر عبد الله بن عمر اجتماعات المجلس لإبداء المشورة دون أن يكون له حق الترشيح للخلافة أو التصويت لصالح أحد المرشحين، وفي أول اجتماع للمجلس جرى الحوار التالي:
قال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم.
فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي.
فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان.
وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف.
فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه. واللهُ عليه والإسلام لينظرنَّ أفضلهم في نفسه؟
فسكت الشيخان- عثمان وعلي- فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليَّ، والله علىَّ أن لا آلوا عن أفضلكم؟
قالا: نعم (١).
وقام عبد الرحمن بن عوف بمشاورة الصحابة من أعضاء مجلس الشورى وغيرهم ليلا ونهارًا، ثلاثة أيام ثم في صبيحة اليوم الرابع دعا من كان حاضرًا بالمدينة من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد- "وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر"- فلما اجتمعوا فقال عبد الرحمن بن عوف: "يا علي، إني قد نظرتُ في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا" ثم بايع لعثمان قائلا: "أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده"، فبايعه عبد الرحمن بن عوف، وبايعه المهاجرون والأنصار، وأمراء الأجناد، والمسلمون (٢).
_________________
(١) البخاري: الصحيح (فتح الباري ٧: ٦٠ - ٦٢).
(٢) البخاري: الصحيح (فتح الباري ١٣: ١٩٣ - ١٩٤).
[ ٥٧ ]
وتؤكد روايات صحيحة توجه الرأي العام في خلافة عمر إلى بيعة عثمان من بعده، ولما سأل عمر في الحج بعرفات حذيفة بن اليمان: من ترى قومك مؤمرين بعدي؟ قال حذيفة: رأيت الناس قد أسندوا أمرهم إلى عثمان بن عفان (١).
وقال خارجة بن مضرب: حججتُ مع عمر فلم يكونوا يشكُون أن الخلافة من بعده لعثمان (٢).
وسمعتُ الحادي يحدو: إن الأمير بعده ابن عفان، وسمعت الحادي في إمارة عثمان يحدو: إن الأمير بعده علي (٣).
وقد قصد عمر من جعلها شورى بين الستة أن لا يتقلد العهدة في ذلك، وأن يمارس المسلمون الشورى في أعلى المستويات وهو اختيار المسئول الأول في الدولة قال الطبري: "ولم يكن في أهل الإسلام أحد له من المنزلة في الدين والهجرة والسابقة والعقل والعلم والمعرفة بالسياسة ما للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم .. " (٤).