وكانت مهمة الولاة تتمثل في سياسة الولاية وفق تعاليم الإسلام، ونشُر الثقافة الإسلامية بتعليم الناس، وإقامة العدل، وجباية الفيء، وإمداد الجيش بالمقاتلين سواء في حروب الردة أو الفتوحات (٢)، وتنظيم الولاية والإشراف على القضاة والموظفين الآخرين. وقد ذكر عمر بن الخطاب في خطبة جمعة مهام الولاة فقال: "اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار أني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة
_________________
(١) جرش: بلدة شمال نجران في أعلى وادي بيشة قرب خميس مشيط (الأكوع: البلدان اليمانية ٧٥، والبلادي: بين مكة وحضرموت ٥٢، ٥٣).
(٢) البلاذري: فتوح البلدان ١١٥.
[ ١٢٢ ]
نبيهم وأن يقسموا فيهم فيئهم، وأن يعدلوا، فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إليَّ" (١).
وخطب الناس مرة أخرى فقال: "أيها الناس إني بعثت عمالي هؤلاء ولاة بالحق عليكم، ولم أستعملهم ليصيبوا من أبشاركم ولا من دمائكم ولا من أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم أمر دينكم وسنتكم، فمن فُعل به سوى ذلك فليرفعه إلي، ومن كانت له مظلمة عند أحد منهم فليقم أقيده منه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقيد من نفسه" (٢).
وعندما اجتمع ولاته على الأمصار في موسم الحج خطب الناس بحضورهم قائلًا: "أيها الرعية، إن لنا عليكم حقًا، النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير. أيها الرعاة: إن للرعية عليكم حقًا، اعلموا أنه لا حلم إلى الله أحب ولا أعم نفعًا من حلم إمام ورفقه، وإنه ليس جهل أبغض إلى الله ولا أعم من جهل إمام وخرقه، اعلموا أنه من يطلب العافية فيمن بين ظهرانيه ينزل الله عليه العافية من فوقه" (٣).
وكان عمر يعرف أنه مسئول عن سياسة ولاته فكان يبين ذلك: "أيما عامل لي ظلم أحدًا، وبلغتني مظلمته ولم أغيرها فأنا ظلمته" (٤).
وبناء على هذه الخطب فإن الوالي ينبغي أن يجمع بين المهام الدينية والدنيوية، كما أنه يتمتع بصلاحيات واسعة داخل ولايته، ولا يرجع إلى الخليفة إلا
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ٣: ٢٩٣ - ٢٩٤، وأحمد: المسند ١: ٤٨ - ٤٩، وابن شبة: تأريخ المدينة ٣: ٨٠٦ - ٨٠٧، والطبري: تأريخ ٢: ٥٦٧ والأثر صحيح. وقارن بكتابه إلى أهل البصرة عندما ولى أبا موس الأشعري عليهم (الطبري: تأريخ ٤: ٢٠٧).
(٢) الطبري: تأريخ ٤: ٢٠٤، وابن الجوزي: مناقب عمر ٩٤، وابن تيمية: السياسة الشرعية ١٥٠، ومحمد حمد الله: الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ٤٠٦.
(٣) ابن الجوزي: مناقب عمر ٧٩.
(٤) المصدر السابق ١١٦.
[ ١٢٣ ]
في المشكلات المستعصية. ولا شك أن قيام الولاة بإمامة الناس في الصلاة، وخطبتهم فيهم بأنفسهم في صلاة الجمعة يعزز مكانتهم ويوحد القيادة الدينية والسياسية في أشخاصهم، كما أن توليهم بأنفسهم لجيوش الفتح تكسبهم احترام الناس وطاعتهم، وعندما يتولى الحكم خليفة جديد فإن الولاة يأخذون له البيعة من سكان الولايات. ومن مهامهم أخذ الزكاة من الأغنياء وإنفاقها على الفقراء، وتحقيق الأمن للرعية، وإقامة الحدود الشرعية، وكان الوالي تنيب من تقوم مقامه عند غيابه عن الولاية (١).
وكانت العلاقة بين الخليفة في المدينة وولاة الأمصار تتم عن طريق الرسائل المتبادلة، كما يستدعي الخليفة بعض ولاته إلى المدينة أحيانًا، وأحيانًا كان يرسل ممثلًا عنه إلى الولاة للاطلاع على أحوال الولايات بصورة مباشرة، وكان محمد بن مسلمة الأنصاري يقوم بمهام التفتيش على الولاة في خلافة عمر (٢). واهتم عمر بجمع الولاة بمكة في موسم الحج للتداول معهم في أحوال الأمة (٣) بل قام عمر بتفقد أحوال الولاة والقادة في الشام عندما زار بيت المقدس لتسليم مفاتيحها وأصر على زيارتهم في بيوتهم ليعرف على أحوالهم وتعاملهم مع الدنيا والأموال ومدى تعلقهم بها، وقد عانق أبا عبيدة عامر بن الجراح عندما رأى زهده في الدنيا رياشًا وطعامًا وقال له: "ما من أحدٍ من أصحابي إلا وقد نال من الدنيا ونالت منه، غيرك" (٤).