كان الولاة على الأمصار يخضعون لمحاسبة إذا زادت ثروتهم زيادة كبيرة خوفًا من استغلالهم لنفوذهم في تنمية الثروة حتى لو لم يقصدوا ذلك، بل حاباهم
_________________
(١) عبد العزيز إبراهيم العمري: الولاية على البلدان في عصر الخلفاء الراشدين ٦٠.
(٢) البلاذري: فتوح البلدان ٢٢١، وابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها ١٤٦.
(٣) أبو يوسف: الخراج ١١٦ وقارن بالطبري: تأريخ ٤: ٢٠٤.
(٤) الأزدي: فتوح الشام ٢٥٥، ٢٥٦.
[ ١٢٤ ]
الناس بسبب موقعهم في السلطة.
وقد سأل عمر ﵁ أبا هريرة واليه على البحرين من أين اجتمعت له عشرة آلاف درهم؟ فأجاب أبو هريرة: خيلي تناسلت، وعطائي تلاحق، وسهامي تلاحقت. فأمر بها عمر فقبضت (١).
إن عمر يحسب حسابًا للهدايا التي يحصل عليها الولاة من الناس، وكذلك محاباة الناس للولاة في المعاملات المالية من مضاربة ومؤاجرة ومساقاة ومزارعة وبيوع، ولهذا أخذ عمر ﵁ نصف أموال عدد من الولاة من أصحاب الفضل والدين والأمانة لأجل هذه المحاباة دون أن يتهمهم بالخيانة (٢).
وهكذا حاسب خالد بن الوليد- قائد جبهة الشام- على تصرفاته في المال العام "إني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد، إنى أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطاه ذا البأس، وذا الشرف، وذا اللسان، فنزعته، وأثبت أبا عبيدة .. " (٣).
وهكذا أدت الرقابة المالية إلى عزل أعظم القادة العسكريين المسلمين، رغم
_________________
(١) أبو عبيد: الأموال ٢٨٢ - ٢٨٣، وابن سعد: الطبقات ٤: ٣٣٥، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٦٠٥ - ٦٠٦، والبلاذري: فتوح البلدان ٩٣ - ٩٤ والأثر صحيح. وانظر روايات ضعيفة في محاسبة سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة ابن سعد: الطبقات الكبرى ٣: ٣٠٧، وابن زنجويه: الأموال ٢: ٦٠٤ - ٦٠٥). ومحاسبة عمرو بن العاص (البلاذري: فتوح البلدان ٢٢٠ - ٢٢١ من كلام ابن المبارك (ت ١٨١ هـ) بدون إسناد.
(٢) ابن تيمية: السياسة الشرعية ٦٨ - ٧٠ بتصرف.
(٣) أحمد: المسند ٣: ٤٧٦، والبخاري: التأريخ الكبير ٨: ٥٤، والتأريخ الصغير ١: ٨٢، والطبراني: المعجم الكبير ٢٢: ٢٩٨ - ٢٩٩، وأبو نعيم: معرفة الصحابة ٢: ١٦١ - ١٦٢ والأثر صحيح.
[ ١٢٥ ]
أنه اجتهد في التصرف المالي حسب ما يرى فيه المصلحة.
وثبت أن عمر ﵁ عاقب الصحابي أنس بن مالك لأنه فرَّط في حفظ ستة ألاف درهم من الأموال العامة استودعها عند أنس، فضمنه إياها ويبدو من السياق أن عمر شعر بوجود إهمال في حفظها ولم يتهم أنسًا (١).
وكان عمر يحاسب ولاته على ثروتهم، فإذا زادت زيادة كبيرة عما كانت عليه عند تعيينهم قاسمهم ثروتهم (٢)، دون اتهامهم بالخيانة، بل لأنه يعتقد أن ولايتهم على الإقليم تيسر لهم تنمية أموالهم. وكان الولاة في خلافته يتحرجون من الولاية على الناس، وبعضهم طالب عمر بإعفائه من الولاية (٣).
وكان لا يرى أن من حق الولاة أن يتنعموا من المال العام دون الرعية فقد غضب على والي أذربيجان عتبة بن فرقد لأنه أهدى إليه خبيصا (نوع من الحلوى) لم يكن الجند ينالونه، فكتب إليه عمر: "إنه ليس من كدِّك ولا من كدِّ أبيك ولا من كدِّ أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم" (٤).
كما كان يحقق في شكاوى الرعية ضدهم، ولما ضرب ابن لعمرو بن العاص أحد الأقباط وبلغ عمر شكواه، أراد أن يقتص للقبطي وخاطب عمرًا بعبارته
_________________
(١) عبد الرزاق: المصنف ٨: ١٨٢، وابن أبي شيبة: المصنف ٤: ٣٩٨، والبيهقي: السنن الكبرى ٦: ٢٨٩ - ٢٩٠ والأثر صحيح.
(٢) البلاذري: فتوح البلدان ١٢١. ابن تيمية: السياسة الشرعة ٤٦.
(٣) عبد العزيز إبراهيم العمري: الولاية على البلدان في عصر الخلفاء الراشدين ٥٤.
(٤) مسلم: الصحيح ١٦٤٢:٣ البيهقي: السنن الكبرى ١٠: ١٢٨.
[ ١٢٦ ]
المشهورة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" (١).
كما حقق في شكوى أحد الجند ضد الوالي عمرو بن العاص لأنه رماه بالنفاق، وأدان القضاء الوالي وأصدر أمرًا بجلده حد القذف لولا أن الجندي عفا عنه (٢).
كما غضب عمر على عمرو بن العاص لأنه أنفذ حد شرب الخمر على عبد الرحمن. بن عمر بن الخطاب في بيته (٣)، والحق أن ينفذه علنًا أمام الناس ليعتبروا، وتحقيقًا لمبدأ المساواة أمام الشريعة.
ومن الحوادث الشهيرة تحقيقه في اتهام المغيرة بن شعبة بالزنا خلال ولايته على البصرة حيث استدعاه إلى المدينة مع الشهود الأربعة وبعد التحقيق مع الشهود تراجع الشاهد الرابع، فجلد الثلاثة حد القذف ولكنه عزل المغيرة عن ولاية البصرة (٤)، وولى مكانه أبا موسى الأشعري الذي قام بإدارة الولاية خير قيام، وعرف بقيادته العسكرية لجيوش البصرة في الحرب ضد الفرس، كما عرف بمهارته في قراءة القرآن وتعليمه لأهل البصرة، وبمراسلاته الكثيرة مع الخليفة عمر، لكن ذلك لم يمنعه من تقبل شكاوى الرعية ضده والعمل على إنصافهم (٥). ولم يسلم من الشكوى سعد بن أبي وقاص والي الكوفة لعمر "أنه اتخذ قصرًا، وجعل له بابًا
_________________
(١) ابن أعثم الكوفي: الفتوح ٢: ٨٢، وابن الجوزي: مناقب عمر بن الخطاب ٩٩.
(٢) عمر بن شبة: تأريخ المدينة ٣: ٨٠٨.
(٣) عمر بن شبة: تأريخ المدينة ٣: ٨٤١.
(٤) عبد الرزاق: التفسير ٢: ٥٢ - ٥٣، وعبد بن حميد: التفسير، وابن المنذر: التفسير (السيوطي: الدر المنثور ١٨: ١٣١)، والبلاذري: فتوح البلدان ٣٤١، والطبري: تأريخ ٤: ٢٠٦ - ٢٠٧، والذهبي: سير أعلام النبلاء ٣: ٢٧، وابن كثير: البداية والنهاية ٧: ٨٢.
(٥) ابن الجوزي: مناقب عمر ٩٥، ١٣١.
[ ١٢٧ ]
يحجبه عن الناس" فأرسل عمر محمد بن مسلمة الأنصاري وأمره أن يحرق الباب ففعل، وعاد برسالة من سعد توضح حقيقة الأمر فقبل عمر قول سعد وصدقه (١).
وتجددت الشكوى بأنه "لا يحسن الصلاة!! " ولما تحرى عمر حقيقة مواقف سعد في ولايته بإرسال رجال إلى الكوفة وجد الناس يثنون عليه، إلا أن رجلًا عبسيًا قال: "كان لا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية ولا يغزو بالسرية" ولم يقتنع عمر بهذه الشكاوى، لكنه أدرك أن ثمة شغب يحيط بواليه فعزله معلنًا استمرار ثقته به: "إني لم أعزله لعجز ولا خيانة" (٢). وهكذا خسره الكوفيون بسبب شغب بعضهم.
وكان اختيار الولاة يتم بعد مشاورة الخليفة لكبار الصحابة، وكذلك بعد رضى المرشح للولاية (٣)، وكان عمر لا يولى أحدًا من أقاربه في حين كان عثمان وعلي لا يرون بأسًا بتولية الأقارب، وكثير ما كان عمر يختبر من يريد توليته، ويدرس شخصيته عن كثب، كما أنه كان لا يولي أهل البادية على أهل الحاضرة لاختلاف الطبائع والعادات والأعراف، وقد عين سلمان الفارسي واليا على المدائن ربما ليلفت الانتباه إلى مبدأ المساواة في الإسلام (٤).
وكان الوالي يزود بكتاب من الخليفة يتضمن أمر التعيين له واليا على المنطقة وشروطه عليه ويشهد عليه رهطًا من المهاجرين والأنصار (٥). وقد جرى نقل
_________________
(١) البلاذري: فتوح البلدان ٢٧٦، والطبري: تأريخ ٤: ١٢١.
(٢) خليفة: التأريخ ١٤٩.
(٣) ابن سعد: الطبقات ٤: ٣٦٠، والمتقي الهندي: كنز العمال ٥: ٦٢٠، وابن كثير: البداية والنهاية ٧: ٣٥، ١٠٧.
(٤) عبد العزيز إبراهيم العمري: الولاية على البلدان في عصر الخلفاء الراشدين ١٤٣، وظافر القاسمي: نظام الحكم في الشريعة والتأريخ الإسلامي ٤٧٣.
(٥) الطبري: تأريخ ٤: ٢٠٧.
[ ١٢٨ ]
بعض الولاة من ولاية إلى أخرى حسب ما تقتضيه مصلحة الدولة (١). كما جرى عزل بعض الولاة لأسباب متنوعة، فقد عزل عمر بن الخطاب العلاء بن الحضرمي لأنه عبر بجنده البحر من البحرين إلى فارس دون استئذان الخليفة مما أدى إلى وقوع أضرار بالجيش، وعزل عمر خالد بن الوليد عن الشام، لأنه خشى افتتان الناس به بتصورهم أنه سبب النصر لبراعته القيادية، بينما ينبغي أن يعزوا النصر إلى الله تعالى (حتى يعلم أن الله إنما ينصر دينه) (٢).
ويستعين الوالي في بعض الولايات الكبيرة بولاة آخرين على المدن التابعة للولاية يتبعونه كما حدث في ولاية الشام حيث كانت ولايات حمص والجزيرة والأردن وفلسطين تتبع أبا عبيدة والي دمشق. وكان سلطان الولاة على المدن يزداد وينقص حيث قد تضم ولاية صغيرة إلى أخرى أو تفصل ولاية مستقلة من تبعيتها الإدارية.
وقد راعى عمر ﵁ في اختيار الولاة عدة مبادئ منها:
عدم حرص المرشح على الإمارة، وهو اتباع للسنة النبوية (٣)، وكان يقول: "لا يحب الإمارة أحد فيعدل" (٤).
كما كان ينظر إلى تمتع المرشح بصفات تؤهله للولاية بأن يكون من أهل القوة والأمانة، والهيبة والتواضع، والرحمة بالناس، والحلم والرفق بالرعية (٥)،
_________________
(١) عبد العزيز إبراهيم العمري: الولاية على البلدان في عصر الخلفاء الراشدين ٥٥.
(٢) خليفة: التأريخ ١٢٢.
(٣) في الحديث "إنَّا لا نولي على هذا العمل من سأله" (البخاري: أحكام ٧، ومسلم: إمارة ١٤).
(٤) عمر بن شبة: تأريخ المدينة ٣: ٨٥٦.
(٥) مصطفى محمد مسعد: التنظيم الإداري في الجزيرة العربية في عصر الخلفاء الراشدين ١: ٢٦٩ (ضمن بحوث ندوة الجزيرة العربية في عصر الرسول والخلفاء الراشدين).
[ ١٢٩ ]
والزهد في الدنيا طعامًا ولباسًا ودورًا ورياشًا (١).
وكانت رواتب الولاة جيدة تكفيهم، فكان راتب عمرو بن العاص والي مصر مائتي دينار (٢)، وراتب عياض بن غنم الفهري- والي حمص- دينارًا وشاة ومدا كل يوم (٣).
وكان البريد الذي يحمل الرسائل من الخليفة عمر إلى الولاة يفسح المجال أمام أهل الأمصار أن يرسلوا رسائلهم إلى الخليفة مباشرة دون إطلاع أحد سواه عليها، مما يتيح أمامهم رفع شكاويهم بحرية (٤).