كان الناس على مستوى عالٍ من الوعي الإسلامي، وكانوا يتعاملون بالمروءات فتقل بينهم الخصومات، مما خفف الأعباء عن القضاة.
فلما ولي أبو بكر قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك بيت المال. وقال عمر: أنا أكفيك القضاء، فمكث سنة لا يأتيه رجلان (٥).
وقال أبو وائل شقيق بن سلمة (ت هـ): "اختلفتُ إلى سلمان بن ربيعة حين قدم على قضاء الكوفة أربعين صباحًا لا أجد عنده فيها خصمًا" (٦). وكان سلمان بن ربيعة أول من استقضى على الكوفة (٧).
ولم تكن الدولة تشجع الناس على الاعتراف بخطاياهم، بل تريد لهم الستر والتوبة فيما بينهم وبين الله تعالى، فلما خطب شرحبيل بن
_________________
(١) مناع القطان: النظام القضائي ١: ٣٩٩.
(٢) المرجع السابق ١: ٤٠٩.
(٣) المرجع السابق ١: ٤١٠، والشوكاني: نيل الأوطار ٧: ١٥٩ - ١٦٠.
(٤) ابن حجر: فتح الباري ١٦: ٢٥٠.
(٥) الطبري: تأريخ ٣: ٤٢٦.
(٦) ابن عبد البر: الاستيعاب ٢: ٦٢، وابن الأثير: أسد الغابة ٢: ٣٢٧.
(٧) ابن حجر: الإصابة ٢: ٦١.
[ ١٦٠ ]
السمط الكندي (ت ٤٠ هـ) - وكان يتولى مسلحة (١) دون المدائن- فقال: "أيها الناس، إنكم في أرضٍ الشرابُ فيها فاشٍ، والنساء فيها كثير، فمن أصاب منكم حدًا فليأتنا فلنُقم عليه الحد، فإنه طهوره، فبلغ ذلك عمر فكتب إليه: لا أحِلُّ لك أن تأمر الناس أن يهتكوا ستر الذي سترهم" (٢). ولكن إذا رفع الناس الأمر إلى القضاء فإن الدولة كانت تقيم الحدود دون هوادة.
ومما يروى في الستر على حالات الجنوح أن امرأة من همدان في اليمن ارتكبت الفاحشة فقدم عمها إلى المدينة، وذكر ذلك لعمر بن الخطاب، فقال له عمر: "لو أفشيت عليها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه" (٣).
وقال عمر لرجل آخر في حالة مماثلة: "أنكحها نكاح العفيفة المسلمة" (٤)