توجد مجموعان مهمتان من كتب الحديث، الأولى مرتبة على الموضوعات والثانية مرتبة على مسانيد الصحابة.
وتضم المجموعتان أحاديث بأسانيد المصنفين إلى النبي ﷺ وتتناول العقيدة والشريعة والآداب والفضائل والرقائق، وموضوعات أخرى منها أخبار تأريخية متناثرة، لكنها تتركز عادة في كتاب المغازي في العديد من المصنفات الحديثية المرتبة على الموضوعات، في حين أن روايات عصر الخلافة الراشدة تكون متفرقة في كتب وأبواب عديدة منها فضائل الصحابة والفتن والجهاد وقصة الشورى ورغم الاقتضاب الذي تتسم به معظم الروايات الحديثية، لكنها أحيانا تقدم تفصيلات دقيقة، كما أنها حظيت بمجهودات نقدية رائعة وخاصة في صحيحي البخاري ومسلم وبدرجة أدنى في صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم وبقية الكتب الستة التي حظيت بانتقاء وتدقيق دون الاقتصار على الصحيح وهي سنن أبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجة، ثم سنن الدارمي والدارقطني وسعيد بن منصور والبيهقي، وكذلك مستخرج أبي عوانة وأبي نعيم والإسماعيلي والبرقاني. وأما مجموعة المسانيد الحديثية فيتقدمها مسند الإمام أحمد
[ ٣٠ ]
بن حنبل في قدمه وسعته وعنايته بأخبار عصر الخلافة الراشدة، ثم مسانيد اسحق بن راهويه والبزار والطيالسي. ولابد من الإشارة هنا إلى أهمية معجم الطبراني الكبير ومصنفي عبد الرزاق بن همام الصنعاني وابن أبي شيبة. فأما "المصنف" لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (١٢٦ - ٢١١ هـ) فهو جامع كبير، أسانيده عالية، وتتركز الأخبار التأريخية في "كتاب المغازي" منه (١)، وأما أخبار عصر الراشدين فهي منثورة. وأما "كتاب المصنف في الأحاديث والآثار" لابن أبي شيبة: أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي العبسي (ت ٢٣٥ هـ)، وهو محدث حافظ ثقة (٢)، فيضم ٣٧٩٤٣ حديثًا وأثرًا، وهو مرتب على الأبواب الفقهية، ويضم الصحيح والحسن والضعيف والواهي، وقد بلغت نسبة الصحيح من الروايات التي تتعرض للحياة المالية في خلافة عمر ﵁ ٢٣ بالمائة من مجموع الروايات البالغ عددها ١٥٠ رواية (٣). ورواياته مسندة وأكثر رجاله من رجال الكتب الستة (٤) وتتركز مادة المصنف التأريخية في كتاب التأريخ، والجمل، وصفين، والخوارج، والمغازي.
ومن الحق ذكر كتاب (فتح الباري شرح صحيح البخاري) لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، وهو مؤلف كبير يقع في ثمانية آلاف ومائة وست وخمسين صفحة (٨١٥٦ صفحة)، رتبه ابن حجر- وفق ترتيب صحيح البخاري- على أبواب الفقه، ولذلك فإن مادته التأريخية متناثرة، لا يمكن تقويمها ومعرفة
_________________
(١) انظر المجلد الخامس ٣١٣ - ٤٩٢.
(٢) ابن حجر: تقريب التهذيب ١: ٤٤٥.
(٣) عبد السلام محسن آل عيسى: النواحي المالية في خلافة عمر ص ٣١.
(٤) عبد الحميد علي ناصر: خلافة علي بن أبي طالب ص ١١ (رسالة ماجستير بإشراف أكرم العمري).
[ ٣١ ]
أهميتها إلا بجمعها وترتيبها على أساس تأريخي، وقد نهض بهذه المهمة اثنان من الباحثين (١). وتظهر الدراستان النطاق الواسع للمادة التأريخية في فتح الباري، وتذلل المراجعة بالفهارس المفصلة، وتكشف عن المكتبة التراثية الهائلة التي استقى منها ابن حجر معلوماته (٢)، وهي كتب حديث وتفسير وفقه وتاريخ ورجال ونسب وأخبار وأدب، وغالبًا ما يحيل على أسماء المؤلفين دون ذكر عناوين كتبهم، ونادرًا ما يحيل على المؤلفين وكتبهم (٣). وقد يقتبس من المصادر اقتباسًا حرفيًا وقد ينقل بالمعنى، وقد يختصر الروايات. وأهميته كبيرة في حل إشكالات النصوص بمحاولة الجمع بينها فإن تعذر فإنه يقوم بالترجيح، وكذلك تتجلى أهميته في حكم ابن حجر على الروايات تصحيحًا وتحسينًا وتضعيفًا، وفي تعقيباته المتنوعة على المصنفين الذين ينقل عن مصنفاتهم.
ولا شك أن بعض المؤلفات التي تسوق روايات ذات طبيعة فقهية تقدم معلومات مهمة عن النظم الإسلامية المالية والإدارية في عصر الخلافة الراشدة ويتقدمها كتاب (الأموال) لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ) وهو أهم مصدر يتناول النظام المالي في تاريخ صدر الإسلام، حيث تناول أصناف المال من الغنائم والصفايا والفيء ومعاملة المناطق المفتوحة والمصالحة والعطاء والإقطاع والخمس والزكاة، وقد ذكر أسانيد الروايات.
_________________
(١) يحيى بن إبراهيم اليحيى: الروايات التأريخية في فتح الباري- الخلافة الراشدة والدولة الأموية -جمع ودراسة (أطروحة دكتوراه من الجامعة الإسلامية سنة ١٤١١ هـ بإشراف أكرم العمري). ومحمد الأمين الشنقيطي: السيرة النبوية في فتح الباري (أطروحة دكتوراه من الجامعة الإسلامية بالمدينة سنة ١٤١٣ هـ بإشراف أكرم العمري).
(٢) يحيى إبراهيم اليحيى: الروايات التأريخية في فتح الباري ص ٣٤ - ١٠٦.
(٣) المصدر السابق ص ١٨.
[ ٣٢ ]
ويرى عبد الله بن جعفر بن درستويه أن كتاب الأموال "من أحسن ما صنف في الفقه وأجوده" كما يرى أن أبا عبيد "عمد إلى مذهب مالك والشافعي فتقلد أكثر ذلك" (١). ولكن للطبري وابن سريج رأيًا أخر، فقد سئلا عن كتب الفقه لأبي عبيد فقالا: "ليس بشيء، أما ترى كتابه في الأموال- وهو أحسن كتبه- كيف بني على غير أصل، واحتج بغير صحيح" ثم قالا: "ليس هؤلاء لهذا، بالحري أن تصح لهما اللغة، فإذا أردت الفقه، فكتب الشافعي وداود ونظرائهما" (٢).
وقد بلغت نسبة الروايات الصحيحة والحسنة إلى مجموع الروايات المتعلقة بالحياة الاقتصادية في خلافة عمر ﵁ ٣٥ بالمائة (٣).
والكتاب الآخر الذي تجدر الإشارة إليه هو (شرح معاني الآثار) لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحنفي (ت ٣٢١ هـ) حيث يوضح بعض السوابق الفقهية في الخلافة الراشدة.
إن هذه المصادر الأولية تقدم الروايات الأصيلة عن عصر الخلافة الراشدة، ولا شك أن ثمة مصادر ثانوية تردد صدى المصادر الأولية، ولا تكاد تقدم معلومات إضافية عن ذلك العصر، وإن بدت غنية بمعلومات عن عصور أخرى مثل (الكامل في التاريخ) لابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ) و(البداية والنهاية) لابن كثير.
لكن ثمة مصدر متأخر هو (تاريخ الإسلام) للحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) يستحق التنويه بسبب نقله عن عدد من المصادر الأولية المفقودة، فصار مصدرًا بديلًا عنها، كما أنه يعنى بالحكم على عدد كبير من الروايات تصحيحًا وتضعيفًا،
_________________
(١) الخطيب: تاريخ بغداد ١٢: ٤٠٥.
(٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء ١٣: ١٠٢، ٣٠١.
(٣) عبد السلام محسن آل عيسى: النواحي المالية في خلافة عمر بن الخطاب ص ٢٦ (أطروحة ماجستير بإشراف أكرم العمري).
[ ٣٣ ]
والذهبي ناقد كبير، ولرأيه أهمية فائقة، فإنه- كما قيل- من أهل الاستقراء التام. وقد آثر الذهبي أن يسوق الأسانيد المعلقة، مكتفيًا بأسانيد تتألف عن راوٍ واحد إلى خمسة من الرواة، وتبدأ عادة بمصنف أو عالم معروف مثل عروة والزهري والوليد بن مسلم الدمشقي وموسى بن عقبة ومحمد بن اسحق وهشام بن عروة بن الزبير ومحمد بن عمر الواقدي وخليفة بن خياط ومحمد بن جرير الطبري. ولم يقتصر في نقله عن كتب التأريخ والأخبار والسير، بل نقل عن الكتب الستة وغيرها من مدونات الحديث.
ويبدو للوهلة الأولى أن الذهبي ينقل من المصنفات الأولية وجادة، ولكن المدقق يتوقع أن يكون الذهبي قد ملك حق رواية الكثير من تلك المصنفات بالسماع والإجازة.