شهد القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي نهضة فكرية وثقافية في مصر والشام، ساعد على قيامها ما وفرته دولة المماليك من بعض الجوانب في مجال الحرية الفكرية، والإمكانات الاقتصادية، إلى جانب هجرة كثير من علماء العصر إلى مصر أمام الزحف المغولي، فتجمعت في البلاد كوكبة من العلماء أثروا الحياة العلمية والثقافية، وتركوا لنا ثروة علمية في شتى فنون المعرفة الإنسانية، وكان من قمم هذا العصر وشوامخه بدر الدين العيني المتوفي سنة ٨٥٥ هـ / ١٤٥١ م، وابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ / ١٤٤٨ م، والمقريزي المتوفي سنة ٨٤٥ هـ / ١٤٤١ م، وناصر الدين بن البارزي وغيرهم.
وكان كل واحد من هؤلاء العلماء يعرف قدر الآخر ويكن له غير قليل من الاحترام، إلا أن الاختلاف في وجهات النظر وارد عند كل منهم سواء أكان من الناحية المذهبية أو العلمية أو السياسية، مما جعل حدة المنافسة بينهم شديدة، فالعيني كان حنفيًا، وابن حجر العسقلاني كان شافعيًا، وكان الاختلاف المذهبي بينهما سببا لقيام مناقشات فقهية، تحولت في النهاية إلى شبه صراع مذهبي، تبين عندما عزل العيني عن القضاء، فقام ابن حجر بقطع الخطبة عن مسجد القاضي بدر الدين حسن بن سويد، بحجة أن المذهب الشافعي لا يجيز تعدد خطبة الجمعة في المصر الواحد (^٢).
كما اشتدت المنافسة أيضًا بين العيني والمقريزي؛ إذ كان كل منهما يمثل قمة علمية شامخة في شتى مجالات الحياة، فعلى الصعيد العلمي حاول كل منهما أن
_________________
(١) لمزيد من التفاصيل عن مؤلفات العيني. انظر: الضوء اللامع، ج ١٠، ص ١٣٣ - ١٣٥.
(٢) السخاوي: التبر المسبوك، ص ٩ - ١٠.
[ ١ / ٢٦ ]
يتصدر مقدمة مؤرخي عصره، ليس هذا فحسب بل إن الصراع بينهما على وظيفة حسبة القاهرة وضواحيها تأجج بينهما، خاصة بعد أن عزل السلطان الناصر فرج بن برقوق الشيخ المقريزي من الحسبة، وولاها العيني سنة ٨٠١ هـ/ ١٣٩٩ م. فكان هذا الأمر بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ أخذ المقريزي يكيل التهم للعينى، ويصفه بممالأة الحكام، وكان رد العينى عليه أن وصفه بالجهل وعدم المعرفة (^١).
ولم يسلم المقريزي من نقد العيني حتى بعد وفاته؛ إذ ذكر عند ترجمته له أنه "كان مشتغلًا بكتابة التواريخ، ويضرب الرمل" (^٢). وفي هذا تقليل من قيمة المقريزي العلمية، إذ لا يجتمع العلم والدجل.
وقد شرب العيني من الكأس التي سقى منها المقريزي؛ فلم يسلم من نكاية المنافسين له من أرباب الوظائف، أمثال ناصر الدين بن البارزي -كاتب السر- الذي نجح في إيغار صدر السلطان المؤيد شيخ، فأبعده عن الحسبة. كما نجح ابن البارزي أيضًا في الإيعاز إلى صهره السلطان جقمق، فأبعد العيني عن القضاء عام ٨٤٢ هـ / ١٤٤١ م. ولا يعني هذا أن العيني كان مضطهدا من كل معاصريه، وإنما كانت الحرب بينه وبين المنافسين له بسبب نجاحه وتبوئه المناصب العليا التي كانوا يحلمون بتقلدها.