منها الزلزلة الكبرى:
قال ابن الأثير (^٧): وفي ثاني عشر شوال من هذه السنة كانت زلزلة عظيمة لم ير الناس مثلها، عمت أكثر البلاد من الشام، ومصر، والجزيرة، والموصل، والعراق،
_________________
(١) الحكيم عبد المنعم: هو عمر بن عبد الله الجلياني الغساني الأندلسي أبو الفضل "حكيم الزمان" من أهل جليانة وهي حصن من أعمال وادي آش بالأندلس، انتقل إلى دمشق وأقام فيها أيام صلاح الدين، فأكرمه وأجلَّه، فكتب فيه أشعارا كثيرة، توفي سنة ٦٠٢ هـ / ١٢٠٥ م. انظر: المقري: نفح الطيب، ج ٢، ص ٦٣٥ - ٦٣٧، تحقيق إحسان عباس، بيروت ١٩٦٨؛ ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات، ج ٢، ص ٣٥ - ٣٧؛ معجم البلدان، ج ٢، ص ١٠٩.
(٢) "كيعقوب" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٦٧.
(٣) داريا: قرية كبيرة مشهورة من قرى دمشق بالغوطة. وعن الجامع ومشهد أبي سليمان الداراني. انظر نفس المادة. معجم البلدان، ج ٢، ص ٥٣٦.
(٤) أبو سليمان الداراني هو عبد الرحمن بن أحمد الداراني الصوفي المشهور، المتوفى سنة ٢٣٥ هـ /٨٤٩ م. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٥٣٦.
(٥) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٧٥.
(٦) هو: مجير الدين أبق بن جمال الدين محمد بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين طغتكين، وهو سادس وآخر من حكم دمشق من بني بوري، توفي سنة ٥٦٤ هـ/١١٦٩ م. انظر: معجم الأنساب، ج ٢، ص ٣٤٠؛ وفيات الأعيان، ج ٥، ص ١٨٨ - ١٨٩.
(٧) انظر قول ابن الأثير في الباهر، ص ١٤٥ حيث ينقل العينى عنه بتصرف؛ وانظر أيضًا: سنا البرق الشامي، ص ٩١؛ المرآة، ج ٨، ص ١٧٤ - ١٧٥؛ زبدة الحلب، ج ٢، ص ٣٣٠.
[ ١ / ٤١ ]
وغيرها. إلا أن أشدها وأعظمها كان بالشام، فخربت بعلبك، وحمص، وحماة، وشيزر (^١)، وبعرين (^٢)، وغيرها، وتهدمت أسوارها وقلاعها، وسقطت الدور على أهلها، وهلك من الناس ما يخرج عن العد والإحصاء. فلما أتي نور الدين خبرها، سار إلى بعلبك، ليعمر ما انهدم من أسوارها وقلعتها، وكان لم يبلغه خبر غيرها. فلما وصلها أتاه خبر باقي البلاد بخراب أسوارها، وخلوها من أهلها، فرتب ببعلبك من يحميها ويعمرها، وسار إلى حمص، ففعل مثل ذلك، ثم إلى حماة، ثم إلى بارين. وكان شديد الحذر على البلاد من الفرنج لاسيما بارين؛ فإنها مع قربها منهم لم يبق من سورها شيء ألبتة، فجعل فيها طائفة صالحة من العسكر مع أمير كبير، ووكل بالعمارة من يحث عليها ليلًا ونهارًا.
ثم أتي مدينة حلب، فرأى فيها من آثار الزلزلة ما ليس بغيرها من البلاد؛ فإنها قد أتت عليها، وكانوا لا يقدرون يأوون إلى بيوتهم السالمة من الخراب خوفًا من الزلزلة، فإنها عاودتهم غير مرة، وكانوا يخافون يقيمون بظاهر حلب خوفًا من الفرنج، فلما شاهد ما صنعت الزلزلة بها وبأهلها أقام فيها، وباشر عمارتها بنفسه، وكان هو يقف على استعمال الفعلة والبنائين، ولم يزل كذلك حتى أحكم أسوارها، وجميع البلاد، وجوامعها، وأخرج من الأموال ما لا يقدَّر قدره.
وأما بلاد الفرنج -خذلهم الله- فإنها أيضًا فعلت فيها الزلزلة قريبا من هذا، وهم أيضًا يخافون نور الدين على بلادهم، فاشتغل كل منهم بعمارة بلاده عن قصد الآخر.
قال العماد (^٣): وكانت قلاع الإفرنج المجاورة لبعرين كحصن الأكراد (^٤)، وصافيثا (^٥)، والعُريْمة (^٦) وعرقا (^٧). وقد وافقت الزلزلة الفرنج يوم عيدهم وهم في
_________________
(١) شيزر: قلعة تشتمل على كورة بالشام، قرب المعرة بينها وبين حماة يوم، ملوكها بني منقذ. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ٣٤٨.
(٢) بعرين (بارين): بليدة بين حمص والساحل. معجم البلدان، ج ١، ص ٦٧٢.
(٣) انظر قول العماد في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٦٨ - ٤٧٠، حيث ينقل عنه العيني بتصرف.
(٤) "ولحصن الأكراد" في الروضتين، وهو خطأ. حيث أن حصن الأكراد كان يتبع الفرنج في ذلك الوقت. ويؤيد ذلك ما ورد في المرآة، ج ٨، ص ١٧٤؛ معجم البلدان، ج ٢، ص ٣٧٦.
(٥) صافيثا: قلعة تقع إلى الشمال من عرقة من أعمال حلب. انظر العماد: الفتح القسي، ص ٢٢٧ حاشية (١). وذُكرت من الحصون القريبة من طرابلس مع العُريمة وعرقا في خطط الشام، لكرد على، ج ٥، ص ٢٩٣.
(٦) العُريمة: موضع بين أجا وسلمى. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ٦٦٣.
(٧) عرقا: بلدة في شرقي طرابلس. وهي في سفح جبل، وعلى جبلها قلعة. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ٦٥٣؛ انظر أيضًا عن القلاع والحصون بالشام، خطط الشام، ج ٥، ص ٢٩١ - ٢٩٤.
[ ١ / ٤٢ ]
الكنائس، ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (^١).
وذكر العماد قصيدة (^٢) في مدح نور الدين ووصف الزلزلة:
هل لعاني الهوى من الأسْر فادِى … أو لساري ليل الصَّبابة هادي
جنِّبوني خَطْبَ البعاد فَسَهْلٌ … كلُّ خَطْب سوى النَّوَى والبعادِ
كنتُ في غفلة من البَيْن حتَّى … صباحَ يومَ الأثيل بالبين حادِي
قد حَلَلْتُمْ من مُهجتي في السُّويدا … ءِ ومن قَلْبِي (^٣) مَحَلَّ السَّوادِ
إلى أن قال:
أَتمنَّى بالشّام أَهلي ببغدا … دَ، وأَينَ الشّامُ من بغدادِ
ما اعتياضي عن حُبِّهم يعلمُ اللـ … ـهُ تعالى إلا بحُبِّ الجهادِ
واشتغالي بخدمة المَلك العا … دل محمود، الكَرِيمِ، الجَوَادِ
أَنا مِنْه على سَرِيرِ سُرُورِي … راتعُ العيش في مَراد مُرادي
إلى أن قال:
[هَوَ] (^٤) نعْمَ الملاذُ من نائب الدَّهـ … ـر ونِعْمَ المَعاذُ عند المَعادِ
جلَّ رُزْءُ الفرَنج فاستبدلوا منـ … ـهُ بِلُبسِ الحديدِ لُبْسَ الحِدادِ
فَرَّقَ الرُّعْبَ منه في أنْفسِ الكُفَّـ … ــارِ بينَ الأَرواحِ والأَجسادِ
سطوةٌ زلزلتْ بسكُانها الأَر … ضَ وهَدَّتْ قواعدَ الأَطوادِ
_________________
(١) سورة النحل: آية (٢٦).
(٢) لم يذكر العيني كل الأبيات التي أوردها أبو شامة نقلا عن العماد الأصفهاني. انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٦٨ - ٤٧٠.
(٣) "مقلتي" في الروضتين عن العماد، ج ١ ق ٢، ص ٤٦٨.
(٤) "هم" في الأصل، والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين نقلًا عن العماد، ج ١ ق ٢، ص ٤٦٩.
[ ١ / ٤٣ ]
أخَذَتْهُمْ بالحقِّ رَجْفةُ بأْس … تَركْتُهم صَرْعَى صُروفِ العوادي
خفضتْ في قلاعها كلّ عالٍ … وأعادتْ قلاعها كالوهادِ
أنفذَ اللهُ حُكمَهُ فهو ماضٍ … "مظهرًا سِرَّ" (^١) غيبهِ فهو بادِي
وفي المرآة (^٢): وكانت هذه الزلزلة عامة في الدنيا، أخربت قلاع المسلمين وبلادهم بالشام، وحلب، والعواصم، وأنطاكية (^٣)، ونزلت إلى اللاذقية، وجبلة (^٤)، وجميع بلاد الساحل إلى الداروم (^٥).
ويقال: إنه لم يمت من دمشق إلا رجل واحد، أصابه حجر وهو على درج جَيرون (^٦)؛ لأن أهلها خرجوا إلى الصحراء، ثم امتدت الزلزلة، وقطعت الفرات، فوصلت إلى الموصل، وسنجار (^٧)، ونصيبين (^٨)، والرها (^٩)، وحران (^١٠)، والرقة (^١١)، وماردين (^١٢)، وغيرها، وامتدت إلى بغداد، وواسط (^١٣)، والبصرة، وجميع بلاد العراق، ولم ير الناس زلزلة من أول الإسلام مثلها؛ أفنت العالم.
_________________
(١) "مظهر سر" في الروضتين، انظر باقي القصيدة في الروضتين عن العماد، ج ١ ق ٢، ص ٤٦٩ - ٤٧٠.
(٢) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٧٥.
(٣) أنطاكية: قصبة العواصم من الثغور الشامية، بينها وبين حلب يوم وليلة. وهي من بلاد الروم القديمة، انظر: معجم البلدان، ج ١، ص ٣٨٢؛ زبدة الحلب، ج ١، ص ١٥.
(٤) اللاذقية: مدينة في ساحل بحر الشام، تعد من أعمال حمص، وهي غربي جبلة، انظر: معجم البلدان، ج ٤، ص ٣٣٨ - ٣٤٠. أما جبلة: فهي قلعة مشهورة بساحل الشام من أعمال حلب قرب اللاذقية، معجم البلدان، ج ٢، ص ٢٤ - ٢٧.
(٥) الداروم: بليدة بينها وبين غزة أربعة فراسخ. معجم البلدان، ج ٢، ص ٥٢٥.
(٦) جيرون: باب وحصن بدمشق. معجم البلدان، ج ٢، ص ١٧٥ - ١٧٦.
(٧) سنجار: مدينة مشهورة من نواحي الجزيرة، بينها وبين الموصل ثلاثة أيام. معجم البلدان، ج ٣، ص ١٥٨ - ١٦٠.
(٨) نصيبين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة، على جادة القوافل من الموصل إلى الشام. معجم البلدان، ج ٤، ص ٧٨٧.
(٩) الرها: مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام. معجم البلدان، ج ٢، ص ٨٧٦.
(١٠) حران: مدينة عظيمة مشهورة على طريق الموصل والشام. معجم البلدان، ج ٢، ص ٣٣٢ - ٣٣٣.
(١١) الرقة: مدينة مشهورة على الفرات، وهي في بلاد الجزيرة بالعراق. معجم البلدان، ج ٢، ص ٨٠٢ - ٨٠٤.
(١٢) ماردين: قلعة مشهورة على قنة جبل الجزيرة. معجم البلدان، ج ٤، ص ٣٩٠.
(١٣) واسط: بلدة ببلاد العراق، متوسطة بين البصرة والكوفة، معجم البلدان، ج ٤، ص ٨٨١ - ٨٨٢.
[ ١ / ٤٤ ]
ومنها: نزول الإفرنج على دمياط، وقد ذكرناه (^١) مفصلًا.
وفيها (^٢):
وفيها: حج بالناس الأمير برغش الكبير.
_________________
(١) انظر ما سبق ص ٣٣ وما بعدها.
(٢) في نسختى المخطوطة أ، ب بياض بمقدار سطر وكلمة.
[ ١ / ٤٥ ]