منها أنه أبطل من الآذان بمصر "حي على خير العمل" (^٢). وأمر صلاح الدين أن يذكر في الخطبة أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ (﵃).
ومنها أن شهاب الدين [محمود بن إلياس] (^٣) بن إيلغازي بن أرتق، صاحب قلعة البيرة (^٤)، سار في عسكره -وهو مائتا فارس- إلى نور الدين وهو بعشترا (^٥). فلما وصل إلى قلعة اللبؤة (^٦) من عمل بعلبك (^٧)، ركب متصيدا فصادف ثلاثمائة فارس من الفرنج، قد شنوا الإغارة على بلاد الإسلام، فاتقعوا، واقتتلوا، فانهزم الفرنج. وأكثر شهاب الدين فيهم القتل والأسر، فلم يفلت منهم إلا من لا يُعتد به، وسار شهاب الدين برؤوس القتلى إلى نور الدين، فركب نور الدين والعسكر للقائه، وكان في جملة تلك الرؤوس رأس مقدم الإستبار (^٨)، صاحب حصن الأكراد (^٩)، وكان من الشجاعة بمحل كبير، ولأنه
_________________
(١) "فما" في الروضتين، ج ١، ق ٢، ص ٤٦١.
(٢) انظر تفصيل ذلك في ابن العديم: زبدة الحلب، ج ٢، ص ٦٧٢ - ٦٧٥، دمشق ١٩٥٤ م؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٧٨.
(٣) في الأصل محمد بن أيلغازي؛ وفي الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٧١ "محمد بن إلياس"، والمثبت بين الحاصرتين من الباهر، ص ١٤٥؛ وانظر: زامباور: معجم الأنساب والأسرات الحاكمة، ج ٢، ص ٣٤٦ - ٣٤٧، القاهرة ١٩٥١ م.
(٤) قلعة البيرة: هي قلعة حصينة لها رستاق واسع وهي بين بيت المقدس ونابلس. انظر: معجم البلدان، ج ١، ص ٧٨٧.
(٥) عشترا: موضع بحوران من أعمال دمشق. معجم البلدان، ج ٣، ص ٦٧٩.
(٦) "قرية اللبوة" في الباهر، ص ١٤٥؛ انظر أيضًا ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق، ص ٢٣٥، حيث تكلم عن حصن اللبؤة والرأس بالتفصيل، وذكر أنهما من أعمال بعلبك.
(٧) بعلبك: مدينة قديمة فيها أبنية عجيبة وآثار عظيمة، بينها وبين دمشق ثلاثة أيام. انظر: معجم البلدان، ج ١، ص ٦٧٣.
(٨) الإسبتار - الإستبار: أطلق المؤرخون المسلمون هذا اللفظ على فرسان جمعية الهسبتاليين Hospitaliers وقد تأسست هذه الجمعية سنة ١٠٩٩ م بعد استيلاء الصليبيين على بيت المقدس. عن هذه الجمعية انظر: المقريزي: السلوك، ج ١ ق ١، ص ٦٨، القاهرة ١٩٣٤ م.
(٩) حصن الأكراد: حصن منيع حصين على الجبل الذي مقابل حمص من جهة الغرب وهو جبل الجليل، وهو بين بعلبك وحمص. معجم البلدان، ج ٢، ص ٣٧٦.
[ ١ / ٣٩ ]
كان شجًا (^١) في حلوق المسلمين، وكذلك أيضًا كان فيها رأس غيره من مشهوري الفرنج، فازدادوا سرورا. وكان ذلك في سابع عشر شوال من هذه السنة.
ومنها أنه وقعت الحرب بين عبد المؤمن وبين ابن مردنيش (^٢) محمد بن سعد، ملك شرق الأندلس، وكان اتفق هو والفرنج على عبد المؤمن وابنه بعده، فاستفحل أمره بعد وفاة عبد المؤمن، فلما كانت هذه السنة جهز إليه يوسف (^٣) بن عبد المؤمن العساكر الكثيرة مع أخيه عمر (^٤) بن عبد المؤمن، فجاسوا بلاده، وخربوها، وأخذ مدينتين من بلاده، وأخافوا عسكره وجنوده، وأقاموا ببلاده مدة ينتقلون فيها، ويجبون أموالها.
ومنها أنه كثرت الأذية من عبد الملك (^٥) بن محمد بن عطاء، وتطرق إلى بلاد حلوان (^٦)، وأفسد، ونهب، وأخذ الحاج، فأُنفذ إليه من بغداد عسكر، فنازله في قلاعه، وضايقوه، ونهبوا أمواله وأموال أهله، حتى أذعن بالطاعة، وأنه لا يعود إلى أذى الحاج ولا غيرهم، فعاد عنهم العسكر.
ومنها أن في ليلة عيد الفطر رزق السلطان صلاح الدين ولده الملك الأفضل (^٧) نور الدين على، وفرح به فرحًا عظيمًا، وخلع، وأعطى، وتصدق بما بهر به العقول.
ومنها أن نجم الدين أيوب (^٨) -والد صلاح الدين- كان مسيره من دمشق إلى ولده صلاح الدين بمصر في هذه السنة، وقد ذكرناه في السنة الماضية.
_________________
(١) الشجا: هو ما اعترض ونشب في الحلق من عظم أو نحوه. انظر: المعجم الوجيز، ص ٣٣٦.
(٢) هو: محمد بن سعد بن محمد بن أحمد بن مردنيش، أبو عبد الله. وقد ورد في الكامل، ج ١٠، ص ٢٦ "محمد بن سعيد بن مردنيش" ج ١٠، ص ٢٦.
(٣) هو: أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بن على القيسي الكومي، صاحب المغرب. توفي سنة ٥٨٠ هـ/ ١١٨٤ م انظر: الكامل، ج ١٠، ص ١٢٦ - ١٢٧؛ ومعجم الأسرات، ج ١، ص ١١٣.
(٤) عمر بن عبد المؤمن بن علي بن علوي الكومي، أبو حفص، بايع لأخيه أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وصار وزيره أيامًا يسيرة. ثم ولاه أخوه جزيرة الأندلس. انظر أخبار أولاد عبد المؤمن في: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ١٨٧ - ٢٤٧ وقد ذُكر في ترجمة أخيه في وفيات الأعيان، ج ٧، ص ١٣٠.
(٥) انظر: الكامل، ج ١٠، ص ١٢٧.
(٦) بلاد حلوان: مدينة عامرة في آخر حدود السواد مما يلي الجبال من بغداد. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٣١٦ - ٣١٧.
(٧) الملك الأفضل نور الدين علي بن يوسف بن أيوب. كان أكبر أولاد السلطان صلاح الدين. توفي بسميساط سنة ٦٢٢ هـ / ١٢٢٥ م. انظر: وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤١٩ - ٤٢١.
(٨) نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان، الملك الأفضل، والد السلطان صلاح الدين. انظر: وفيات الأعيان، ج ١، ص ٢٥٥ - ٢٦١.
[ ١ / ٤٠ ]
ومن قصيدة الحكيم عبد المنعم (^١) في ذلك قوله:
في مَشرِقِ المَجدِ نَجمُ الدينِ مَطلَعُه … وَكُلُّ أَبنائِهِ شُهُبٌ فَلا أَفَلُوا
جاءوا لِيَعقوبَ (^٢) وَالأَسباطِ، إِذ وَرَدوا … عَلى العَزيزِ مِن أَرضِ الشامِ وَاشتَمَلوا
لَكِنَّ يوسُفَ هَذا جاءَ إِخوَتُهُ … وَلَم يَكُن بَينَهُم نَزغٌ وَلا زَلَلُ
وَمُلِّكوا مُلْكَ مِصْرٍ في شَماخَتِهِ … وَمِثلُهَا لِرِجالٍ مِثلُهُم نُزُلُ
ومنها أن نور الدين (﵀) خرج في هذه السنة إلى داريا (^٣)، فأعاد عمارة جامعها، ومشهد أبي سليمان الداراني (^٤)، وشتي بدمشق.
قال في المرآة (^٥): وفي هذه السنة أمر نور الدين بعمارة جامع داريا القائم الآن، وكان قديما عند قبة أبي سليمان الداراني، فأحرقه الإفرنج لما نزلوا على داريا في أيام مجير الدين أبق (^٦)، فعمر نور الدين -في هذه السنة- هذا الجامع الذي في وسط القرية.