منها أن عرب سُليم (^٣) نافقت بالبحيرة، واجتمعوا في ستة آلاف فارس، فخرج إليهم أبو الهيجاء السمين في ألفي فارس، فكسرهم ونهبهم.
ومنها أن أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (^٤) سار إلى إفريقية، وملك قَفْصَة (^٥)، وكان سبب ذلك أن صاحبها على بن المعز بن المعتز لما رأى دخول الترك إلى إفريقية واستيلاءهم على بعضها، وانقياد العرب [إليهم] (^٦)، طمع في الانفراد عن يوسف، والاستبداد دونه؛ لأنه كان في طاعته، فأظهر ما في نفسه وخالفه، وأظهر العصيان، ووافقه أهل قفصَة، فقتلوا كل من كان عندهم من الموحدين أصحاب أبي يعقوب، وكان ذلك في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، [فأرسل والي بجاية] (^٧) إلى يوسف (^٨) بن عبد المؤمن [يخبره] (^٩) باضطراب أمور البلاد واجتماع العربان إلى قراقوش التركي، ودخوله إفريقية، واستيلائه، فشرع يوسف (^١٠) في سَد الثغور التي يخافها بعد مسيره، ثم تجهز وجمع العساكر، وسار إلى إفريقية، ونزل على مدينة قفصة وحصرها ثلاثة أشهر؛ لأنها مدينة حصينة، وأهلها أنجاد، وقطع أشجارها. ولما اشتد على صاحبها على بن المعتز الأمر، خرج منها مختفيا لم يدر به أحد من أهل البلد، وسار إلى خيمة يوسف، وعرَّف
_________________
(١) مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٢٩.
(٢) مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٢٩.
(٣) عرب سُلَيْم: بطن من جُذام، من القحطانية، انظر عمر كحالة: معجم قبائل العرب، ج ٢، ص ٥٤٠.
(٤) هو أبو يعقوب يوسف بن أبي محمد عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي صاحب المغرب، تولى زعامة الدولة الموحدية من سنة ٥٥٨ هـ- ٥٨٠ هـ / ١١٦٣ - ١١٨٤ م، توفي سنة: ٥٨٠ هـ. وفيات الأعيان، ج ٧، ص ١٣٠ - ١٣٨؛ نهاية الأرب، ج ٢٨، ص ٣٧١ حاشية ٤.
(٥) قفصة: بلدة صغيرة في طرف إفريقيا من ناحية المغرب من عمل الذاب الكبير، بينها وبين القيروان ثلاثة أيام. معجم البلدان، جـ ٤، ص ١٥١.
(٦) "إليها" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الكامل، ج ١٠، ص ١٠٣.
(٧) "فأرسلوا إلى بجاية" في نسختى المخطوطة أ، ب. والتصحيح من الكامل، ج ١٠، ص ١٠٣، وهذا يتسق مع النص التاريخي.
(٨) "أبي يوسف" في نسخة ب.
(٩) "يخبرونه" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من الكامل، ج ١٠، ص ١٠٣.
(١٠) "أبو يوسف" في نسخة ب.
[ ١ / ٢٩٤ ]
الحاجب أنه قد حضر إلى أمير المؤمنين، فدخل الحاجب وأعلم يوسف به، فعجب منه كيف أقدم على الحضور عنده بغير عهد!، وأمر بإدخاله عليه، فدخل وقبَّل يده، وقال: قد حضرت إلى أمير المؤمنين؛ أطلب العفو عني وعن أهل بلدي، وأن يفعل ما هو أهله، واعتذر إليه، فَرَقَّ له وعفا عنه وعن أهل البلد، وتسلمها أول سنة ست وسبعين، وسير علي بن المعز صاحبها إلى بلاد المغرب، فكان فيها مكرمًا عزيزًا، وأقطعه ولاية كبيرة، ورتب يوسف بقفصة طَائفة كبيرة من أصحابه، وحضر مسعود بن زمام أمير العرب إليه، فعفا عنه وسيره إلى مراكش (^١)، وسار يوسف إلى المهدية (^٢)، فأتاه بها رسول صاحب صقلية؛ يلتمس الصلح منه، وهادنه عشر سنين، وعاد يوسف إلى المغرب مسرعًا، لأن بلاد إفريقية كانت مجدبة، فتعذر القوت والعلف على عسكره، فرحل عنها (^٣).
ومنها أن امرأة قدمت إلى القاهرة وهي عديمة اليدين، وكانت تكتب برجليها كتابة حسنة، فحصل لها مال جزيل من الملوك والخواتين (^٤)، فقال العماد الكاتب:
أُخْمِلتُ (^٥) في مِصر ومَنْ يلتمسْ … غِناهُ في غربتِه يخْمُلِ
كتابتي قَدْ كَسَدتْ سُوقها … وحِيلَتي بارَتْ ولم أعْطُلِ (^٦)
كيف يَبِينُ الفضْلُ في بلدةٍ … نِساؤُها يكتُبْن بالأَرْجُلِ
ومنها أن قراقوش التقوي سار إلى بلاد المغرب، فحاصر قابس (^٧) وقلاعا كثيرة حولها، واستحوذ على أكثرها، فاتفق أنه أسر من بعض الحصون غلامًا أمرد (^٨)، فأراد
_________________
(١) مَرَاكُشُ: أعظم مدينة بالمغرب، في وسط بلاد البربر، أول من اختطها يوسف بن تاشفين من الملثمين في حدود سنة ٤٧٠ هـ/ ١٠٧٧ م، بينها وبين جبل دَرَن ثلاثة فراسخ، وهو في جنوبها. معجم البلدان، ج ٤، ص ٤٧٨.
(٢) المَهْدِيّة: في موضعين، إحداهما بإفريقية والأخرى اختطها عبد المؤمن بن علي قرب سلا، والتي بإفريقية منسوبة إلى المهدي، وبينها وبين القيروان مرحلتان، والقيروان في جنوبها على ساحل البحر المتوسط، معجم البلدان، ج ٤، ص ٦٩٣.
(٣) نقل العيني هذا النص بتصرف من الكامل، ج ١٠، ص ١٠٤.
(٤) نقل العينى هذا النص بتصرف من النجوم الزاهرة، ج ٦، ص ٨٦.
(٥) خمل: أي لم يعرف أو يذكر، انظر مادة "خمل"، المعجم الوسيط، ج ١، ص ٢٥٦.
(٦) "أغطل" في نسخة ب.
(٧) قابسُ: مدينة بين طرابلس وصفاقص ثم المهدية، على ساحل البحر من أعمال إفريقية، معجم البلدان، ج ٤، ص ٣.
(٨) كذا في الأصل والروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٦٣؛ "أسود" في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٢٨.
[ ١ / ٢٩٥ ]
قتله، فقال له أهل الحصن: لا تقتله، وخذ لك عشرة آلاف دينار، فأبي، فوصَّلوه إلى مائة ألف دينار، فأبى إلا قتله فقتله، فلما قتله نزل صاحب الحصن وهو شيخ كبير، ومعه مفاتيح ذلك الحصن، فقال له: خذ هذه فإني شيخ كبير" (^١) وإنما كنت أحفظه لأجل هذا الصبي الذي قتلته، ولي أولاد أخي أكره أن يملكوه بعدي، فأقره فيه، وأخذ أموالا كثيرة (^٢).
ومنها أن الخليفة ابتدأ في هذه السنة بعمارة المسناة (^٣) في الجانب الغربي من بغداد، وهي قائمة إلى هلم جرا.
ومنها أنه ابتدأ بعمارة تربة المستضيء المجاورة لجامع فخر الدولة. وتولى عمارتها ابن الصاحب أستاذ الدار، ونقل تابوته إليها.
وفيها (^٤).
وفيها حج بالناس من العراق طاشتكين، ومن الشام سيف الدين على المشطوب.