منها (^١) أن الإفرنج غدرت ونقضت عهودهم، وقطعوا السبل على المسلمين برا وبحرا، سرا وجهرا، فأمكن الله من بطسة عظيمة، لهم فيها نحو من ألفين وخمسمائة نفس من رجالهم المعدودين، منهم من ألقاهم الموج إلى ثغر دمياط قبل خروج السلطان صلاح الدين من مصر، فأحيط بها، فغرق بعضهم، وحصل في الأسر [نحو] (^٢) ألف وسبعمائة منهم (^٣).
ومنها أن قراقوش سار إلى بلاد إفريقية ففتح بلادًا كثيرة، وقاتل عسكر [ابن] (^٤) عبد المؤمن، واستفحل أمره هنالك، وهو من جملة مماليك تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين، ثم عاد إلى الديار المصرية فأمره صلاح الدين بأن يتمم السور المحيط بالقاهرة ومصر، وذلك قبل خروجه منها في هذه السنة، وكان ذلك آخر عهده بها حتى توفاه الله -﷿- وذلك بعد أن أراه بلوغ مناه قبل حلول الوفاة، فأقر عينه من أعدائه، وفتح على يديه بيت المقدس وما حوله وما حواه. ولما خيم بارزًا من مصر أحضر أولاده حوله فجعل يشمهم ويقبلهم ويضمهم، فأنشد بعضهم:
تَمَتَّعْ من شَمِيم [عُرَارِ نَجْدٍ (^٥)] … فما بعدَ العَشِيَّة من عُرارِ
فكان الأمر كما قال؛ لم يعد إلى مصر بعد هذا العام، بل كان مقامه بالشام.
_________________
(١) ورد هذا النص في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٣٠ - ٣٣١؛ أيضا: راجع الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٨٤.
(٢) ما بين الحاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٣١.
(٣) نقل العيني عدد الأسرى من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٣١؛ أما الكامل والروضتين فقد ذكرا أن عدد الأسرى "ألفا وستمائة وستة وسبعين". انظر: الكامل، ج ١٠، ص ١١٢؛ الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٨٤.
(٤) ما بين الحاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٣١؛ الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٨٤.
(٥) "عن أرض نجد" كذا في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٣١؛ المختصر في أخبار البشر، ج ٣، ص ٦٤؛ الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٨٧؛ زبدة الحليب، ج ٣، ص ٥٥.
[ ١ / ٣١٠ ]
ومنها (^١) أن فرخشاه بن أخي السلطان صلاح الدين ونائبه بدمشق سار إلى أعمال كرك ونهبها؛ لما بلغه أن الفرنج تطرقوا لأن يسيروا إلى مكة وإلى المدينة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- فجمع العساكر الدمشقية، وسار إلى بلدهم ونهبه وخَرَّبه، وعاد إلى طرف بلاد الإسلام، وأقام بها ليمنع البرنس (^٢) من التعرض إلى المسلمين. وأما الذين سيرهم الفرنج إلى الحجاز؛ فأهلك الله تعالى جميع من سيروا، وقتلوا وأسروا.
ومنها أنه تواصف الناس كثرة الفأر، وشكي أهل الزراعات جائحتهم (^٣) به، وأنه كان يرحل من بقعة إلى بقعة، فيغطى الأرض ويجور على مواضع مملوءة زروعًا (^٤)، فلا يترك منها شيئا، ويمر بأخرى فيتركها قاعا صفصفًا.
ومنها أنه استوت عدة جيش صلاح الدين على ثمانية آلاف وستمائة وأربعين طواشية، وقرا غلامية (^٥).
ومنها أن صاحب ماردين حصر قلعة البيرة، وكانت لشهاب الدين الأرتقي (^٦)، وهو ابن عم قطب الدين إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين (^٧)، وكان في طاعة نور الدين محمود بن زنكي، فمات شهاب الدين الأرتقي، وملك القلعة بعده ولده، وصار في طاعة عز الدين مسعود صاحب الموصل، فلما كان في هذه السنة أرسل صاحب ماردين إلى عز الدين [مسعود] (^٨) يستأذنه في حصر البيرة وأخذها، فأذن له، فسار، فنزل سُمَيْسَاط (^٩) وكانت له، وأرسل عسكرها [إلى البيرة] (^١٠) فحصرها، فسير
_________________
(١) ورد هذا النص في الكامل، ج ١٠، ص ١٠٤.
(٢) يقصد الأمير أرناط. انظر هذه الأحداث في الكامل، ج ١٠، ص ١٠٥.
(٣) الجائحة: لغة هي إهلاك المال واستئصاله. انظر: المعجم الوسيط، مادة "جوح"، ج ١، ص ١٤٥.
(٤) "زرعا" في نسخة ب.
(٥) القرا غلامية: هم جماعات الضبطية، وعملهم مراقبة الطرق أثناء سير الجيوش. انظر: السلوك، ج ١ ق ٢، ص ٧٥، حاشية ٣ (ط. أولى ١٩٣٤).
(٦) هو: شهاب الدين محمود بن إلياس بن إيلغازي بن أرتق. انظر: التاريخ الباهر، ص ١٤٥.
(٧) انظر: تفصيل هذا الخبر في الكامل، ج ١٠، ص ١٠٨.
(٨) ما بين الحاصرتين ساقط من نسخة أ. ومثبت من نسخة ب.
(٩) "شميصاط" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب، وقد فضلنا ما اتفقت عليه المصادر الجغرافية في رسم اسمها "سُمَيْسَاط" وقد سبق التعريف بها. راجع معجم البلدان، ج ٣، ص ١٥١ - ١٥٢.
(١٠) إليها في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الكامل، ج ١٠، ص ١٠٨ لتصحيح النص.
[ ١ / ٣١١ ]
صاحبها إلى صلاح الدين، يطلب منه أن ينجده، "فسير رسولا فشفع فيه" (^١)، فرحل صاحب ماردين عن البيرة.
ومنها (^٢) أن المسلمين فتحوا الشقيف (^٣) من الفرنج، وذلك أن الفرنج لما بلغهم مسير صلاح الدين من مصر إلى الشام، جمعوا له، وحشدوا الفارس والراجل، واجتمعوا بالكرك بالقرب من الطريق لعلهم يظفرون منه بفرصة، فخلت بلادهم من ناحية الشام، فسمع فرخشاه الخبر، فجمع عساكر الشام، ثم قصد بلاد الفرنج، وأغار عليها، ونهب دَبُّورِية (^٤) وما جاورها من القرى، وأسر الرجال وسبي النساء وغنم الأموال، وفتح منهم الشقيف، وأرسل إلى صلاح الدين بالبشارة.
ومنها أن رباط المأمونية (^٥) ببغداد فتحت في هذه السنة، [وكانت] (^٦) دار سنقر المستنجدي (^٧)، قُبض عليه وأخذ منه من العين مائة ألف دينار، ومن المتاع والخيل والأثاث ما قيمته أكثر من ذلك وعُملت رباطا للصوفية.
ومنها (^٨) أنه كان بالمِزة (^٩) خطيب يقال له العالم. زَوَّرَ على صلاح الدين خطًا بزيادة في جامكيته، ووقف عليه فرخشاه، فهَّم بالإيقاع به فهرب إلى القاهرة، واستجار بالسلطان فأجاره، وقال: ما أخيب قصدك. وكتب له توقيعا بما طلب.
_________________
(١) العبارة بين الأقوام بها لبس من العينى. ولإيضاح المقصود نذكر ما أورده ابن الأثير في الكامل، ج ١٠، ص ١٠٨: "ويُرَحّل العسكر المارداني عنه، ويكون هو في خدمته كما كان أبوه في خدمة نور الدين، فأجابه إلى ذلك، وأرسل رسولًا إلى صاحب ماردين يشفع فيه، ويطلب منه أن يرحل عسكره عنه، فلم يقبل شفاعته".
(٢) نقل العينى هذا النص بتصرف من الكامل، ج ١٠، ص ١١٠ - ١١١؛ الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٧١ - ٧٢.
(٣) الشقيف يقصد بها شقيف أرنون، وهي بين دمشق والساحل بالقرب من بانياس. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ٣٠٩؛ تقويم البلدان، ص ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٤) دَبُّوريّةُ: بليد قرب طبرية من أعمال الأردن. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٥٤٦.
(٥) المأمونية: منسوبة إلى المأمون أمير المؤمنين عبد الله بن هارون الرشيد، وهي محلة كبيرة طويلة عريضة ببغداد بين نهر المعلي وباب الأزج. انظر: معجم البلدان، ج ٤، ص ٣٩٨.
(٦) "كان" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت هو الصحيح.
(٧) "المستنجد" في مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٣٣.
(٨) ورد هذا الخبر في مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٣٣؛ الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٨٣.
(٩) المِزَّةُ: قرية كبيرة غناء في وسط بساتين دمشق، بينها وبين دمشق نصف فرسخ. أنظر: معجم البلدان، ج ٤، ص ٥٢٢.
[ ١ / ٣١٢ ]
ومنها (^١) أن البرنس صاحب الكرك -لعنه الله- عزم على قصد تيماء من أرض الحجاز؛ ليتوصل منها إلى المدينة النبوية -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- فجهزت له سرية من دمشق تكون حاجزة بينه وبين أرض الحجاز، فصده ذلك عن قصده، لعنه الله.
وفيها (^٢)
وفيها حج بالناس طاشتكين.